وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

القصة كلاسيكية للغاية، ومكررة إلى درجة الحفظ، منذ عصر الفيلسوف جون لوك في القرن السابع عشر وحتى قرن المصطفى بكري وزمانه: وملخصها إذا ضاقت عباءة الدستور على الزعيم الملهم الذي جاء على موعد مع القدر فلنحرق العباءة ونفصل عباءة جديدة فضفاضة تتسع لعبقرية الزعيم في الحكم. كانت إشارة الانطلاق عبارة غامضة علي لسان الزعيم تقول "سأغادر السلطة في نهاية مدتي عام 2030 لأن هذا ما يفرضه الدستور". هنا بدأت الجوقة تؤدّي المكتوب في النوتة الموسيقية: سيكون في مغادرة الزعيم الحكم الخراب للبلاد والعباد، فلنتّحد من أجل درء الأذى لكي نحصل على المنفعة الوطنية العظمى، ليتنحى الدستور (العقبة) جانبًا لكي ننعم باستمرار الحاكم صانع الأحلام وحققها.

 

في شهر يوليو من العام الجاري، ومن دون أية مناسبة، انتشر خبر في معظم الصحف والمواقع المصرية، يقول إن المشاركين في ندوة "التطورات التشريعية فى الجمهورية الجديدة" يطالبون بإعداد دستور جديد للبلاد، ليلائم هذه الجمهورية. ألقيت هذه الكرة المشتعلة في ملعب السياسة المصرية، وتُركت حتى انطفأت من دون اشتباكاتٍ كبيرةٍ حولها، ثم جرى سحبُها، وكأنها كانت حصّةً تجريبيةً مبكّرةً لتهيئة المناخ العام للتفاعل مع المباراة الرئيسية التي بدأت بكلام رئاسي عن مستقبل السلطة، وذلك في ملتقى أو منتدى انعقد على مدار أسبوع تقريبًا، تحدث فيه عبد الفتاح السيسي بما يكفي لإغراق عشرة أفدنة بالكلام الغزير الذي لم يعلق منه في الذاكرة إلا ما يتعلق بالسلطة والدستور.

 

هنا حضرت فرق الوطنيين الشرفاء الخائفين علي مصر من اليتم والضياع، إن رضخت لمواد الدستور الشرير الذي يريد أن يحول بينها وبين الشخص الوحيد في الوجود الذي يستطيع قيادتها إلي برّ الأمان، ولابد أن يبقى حاكمها مدى الحياة. وبالتدريج بدأت منشورات على صفحات مجهولة تنادي بذلك، ممهدة الطريق لإعلاميي القرون لكي يستلهموا روح الشعب وأحلامه، ويطرحونها في نوافذهم التلفزيونية، ويدعون الجماهير إلى الاصطفاف ضد القيود الدستورية التي تحول دون بقاء الزعيم وتحنيط القيادة الحكيمة لتتولي شوون البلاد إلى الأبد، ثم جاء أحمد أبو الغيط ليشارك في الحملة الوطنية لإنقاذ مصر من الضياع، والذي يتلخص في جملة واحدة: من غير السيسي مصر في خطر. ولم لا وهو كما أبدع الشاعر الفيلسوف الراحل محمد عفيفي مصر في وصف هذه الحالة عبر العصور المختلفة بالقول "هو سلطان الله وظله على الأرض، وهو الامبراطور أو الملك الشمس، أو البطل المنقذ، أو الزعيم المعلم والقائد الملهم، وهو الرجل الذي جاء على موعد مع القدر، وهو فاتح ينابيع الخير ومفجر الطاقات وواهب الإلهام للمبدعين، فالعقول والقلوب ملك يمينه، ومؤسسات التفكير والرأي والتعبير تحت إبطيه". وهو كذلك "قد جاء استجابة لنداء التاريخ ومطالب الشعب، فهو روح الجماعة وإرادتها وقوتها الضاربة، والجماعة هاربة من ذاتها لا تستطيع مواجهة العبء وحمل المسؤولية عن تغيير حياتها وتحرير فكرها وضميرها، وها هو الأمل يسطع في قلب الظلام، فتندفع بأهوائها وغموضها لتلقي على كاهله بأحمال يأسها وضعفها وكسلها الشره، والمنافقون من خدم كل العصور يبتدعون له تاريخًا من التلفيقات، وشيئًا فشيئًا يشيرون عليه بما يقول، فهو الحكيم الملهم العبقري، أقوالهم على لسانه، وشعاراته النارية فكر غير مسبوق، وخطبه برامج عمل للأجيال القادمة، ورجال الدين يضفون عليه وعلى قراراته هالات القداسة واليقين، ويبددون بقايا الخلق والضمير من نفوس الرعايا، وتجتمع في يديه يومًا بعد يوم مصادر الرزق وكرامة اللقمة وقوة التشريع ومفاتيح السجون ومسالخ التعذيب والقتل، حتى تقع السبيكة الحية مرّة أخرى بين سندان الجوع ومطرقة الخوف".

 

تبدو هذه الروية وكأنها تصف الواقع الحالي بدقة شديدة، إذ لا يخرج الخطاب المتربص بالدستور من أجل بقاء الزعيم مدي الحياة عن هذه الرؤية، ومع الوقت تتحول الاجتهادات الفردية والمواقف الشخصية من المسألة إلى تيار عام جارف ومطلب قومي للجماهير لتكون الخطوة التالية تطهير مجرى الدستور حتي يبحر الزعيم بسفينة الوطن بهدوء، وعلي المشرع أن يستجيب لإرادة الشعب، وإن لم يستجب فالحل التقليدي موجود، وقد حدث بالفعل في مصر الخمسينيات حين جرت عملية تصنيع تظاهرات عارمة تجوب البلاد وتهتف: يسقط الدستور..تسقط الديمقراطية والحرية..يعيش الجيش ..يعيش الزعيم، حتى وصلت إلى مبنى مجلس الدولة، لمحاصرة رئيسه الرافض لتعديل الدستور، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، بعد اقتحام بوابة المجلس المغلقة بالسلاسل الحديدية والجنازير، والوصول إلي رئيسه الذي تلقى الركلات والصفعات والشتائم، بوصفه"الخائن الجاهل" الذي يريد أن يضيع البلاد بحرمانها من استمرار حكم الزعيم إلي يوم الدين.