تصاعدت أزمة نقص الكوادر الطبية بالوحدات الصحية في القرى المدرجة ضمن مبادرة "حياة كريمة"، وسط تجاهل حكومي مستمر لتوفير بيئة عمل ملائمة، مما فاقم معاناة الأهالي الباحثين عن رعاية وعلاج.
​
​
وفي سياق متصل، شهد شهر نوفمبر الجاري تدهورا ملحوظا في مستوى الخدمات المقدمة للمرضى، حيث أصبحت المباني الجديدة مجرد هياكل خاوية تفتقر لأبسط المستلزمات الضرورية لإنقاذ الأرواح وتخفيف الألم.
​
​


وحدات صحية خاوية من الأطباء
​
​
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة منى مينا، الوكيل الأسبق لنقابة الأطباء، أن المباني الجديدة مجرد جدران فارغة لا تقدم أي رعاية حقيقية، بسبب العجز البشري الهائل والمستمر بالمستشفيات الريفية.
​
​
ولذلك، أصبحت هذه المنشآت الطبية عبئا على الأهالي بدلا من تخفيف معاناتهم، فالمرضى يقطعون عشرات الكيلومترات بحثا عن طبيب متخصص ينقذ حياتهم في الحالات الطارئة والحرجة التي تواجههم.
​
​
وعلاوة على ذلك، تستمر المنظومة الصحية في فقدان كوادرها يوميا، حيث يفضل الكادر الطبي الهجرة هربا من بيئة العمل المتردية، وضعف الأجور التي لا تلبي أبسط الاحتياجات المعيشية.
​
​
وبناء على ما سبق، تفاقمت معاناة القرى المهمشة، إذ تقف المباني المزينة بشعارات المبادرة كشاهد على إهدار المليارات دون خطة تشغيلية واضحة تضمن استدامة الخدمة الطبية للمرضى والأهالي.
​
​
في حين، تغض الجهات التنفيذية الطرف عن هذه الكارثة الإنسانية، وتكتفي بإطلاق التصريحات الوردية عبر وسائل الإعلام، متجاهلة صرخات آلاف المواطنين الباحثين عن حبة دواء أو استشارة طبية.
​
​
ومن هذا المنطلق، تتزايد مخاوف سكان الريف من استمرار سياسة التهميش، فالمواطن البسيط يدفع ثمن الفشل الإداري من صحته وحياته، وسط غياب تام لأي تدخل حكومي عاجل وفعال.
​
​


سياسات حكومية تعمق الأزمة الصحية
​
​
وعلى الصعيد ذاته، يرى الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، أن المنظومة تفتقر لأبسط مقومات الاستمرارية، مشيرا إلى أن بيئة العمل الحالية طاردة بامتياز للكوادر الطبية.
​
​
ومن ثم، فإن الحلول الترقيعية التي تطرحها الوزارة لا تعالج جذور المشكلة، بل تزيد من حالة الاحتقان بين صفوف الفرق الطبية التي تواجه ضغوطا غير مسبوقة يوميا بالمستشفيات.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تصر السلطات على تجاهل مطالب النقابة المتكررة بتحسين بيئة العمل، مما أدى إلى تفريغ الوحدات الريفية من الكفاءات، وترك المرضى فريسة للمرض والإهمال الجسيم والمستمر.
​
​
ومع ذلك، تستمر الآلة الإعلامية في الترويج لإنجازات وهمية، بينما يعاني المريض في القرى من غياب طبيب التكليف الذي يجد نفسه وحيدا في مواجهة نقص المعدات والمستلزمات الطبية.
​
​
ونتيجة لذلك، فقدت المؤسسات الصحية ثقة المواطن تماما، حيث تحولت هذه المراكز إلى مجرد محطات تحويل للمستشفيات المركزية التي تعاني بدورها من تكدس رهيب وعجز صارخ بالموارد.
​
​
وبطبيعة الحال، تتضح الرؤية القاصرة للمسؤولين في إدارة الملف الصحي، إذ يتم التركيز على الإنشاءات الهندسية وتجاهل العنصر البشري الذي يمثل العمود الفقري لأي منظومة علاجية مستدامة وقوية.
​


​
دعايات زائفة تحت غطاء المبادرات
​
​
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور رشوان شعبان، الأمين العام المساعد الأسبق للنقابة، أن تجاهل حقوق الأطباء المالية والإدارية يعصف بأي جهود لتطوير الخدمة، محذرا من انهيار المنظومة بالكامل.
​
​
وبالتالي، تتساقط وعود التطوير أمام واقع مرير تعيشه المستشفيات الريفية، إذ لا توفر المشاريع التي أطلقها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي سوى هياكل خرسانية خالية من المعدات الحيوية.
​
​
فضلا عن ذلك، تتزايد شكاوى الأهالي من غياب الصيانة الدورية للأجهزة الطبية القليلة المتاحة، ما يعرض حياة آلاف المرضى للخطر الداهم كل يوم دون أي استجابة حكومية فعلية.
​
​
ومن ناحية أخرى، يعكس التهرب من المسؤولية عمق الفشل التنفيذي، حيث تمتنع الوزارة عن تقديم إجابات شافية حول مصير المليارات التي أُنفقت دون مردود حقيقي على صحة المواطنين.
​
​
علاوة على ما سبق، يظل المواطن الريفي أسير وعود لا تتحقق، بينما تستنزف الميزانيات في طلاء الواجهات الخارجية وتركيب اللافتات، ليظل جوهر الخدمة غائبا تماما عن المشهد الصحي.
​
​
وفي النهاية، تبقى أرواح المصريين في القرى معلقة بخيط رفيع، في انتظار سياسات جذرية تنقذ القطاع الطبي من الانهيار، بعيدا عن الشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.