أعادت لقطات مصورة حصرية بثتها قناة الجزيرة تسليط الضوء على كواليس معركة «سيف القدس» عام 2021، بعدما كشفت عن لحظة إنسانية مؤثرة ظهر فيها رئيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قطاع غزة آنذاك، يحيى السنوار، متأثرا إلى حد البكاء خلال مكالمة هاتفية جمعته بالقائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري للحركة، محمد الضيف، عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأثارت المشاهد تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر السنوار وهو يمسح دموعه بيده خلال حديثه مع الضيف، في لحظة استعاد فيها متابعون أجواء المواجهة التي اندلعت على خلفية التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى ومحاولات تهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة.
واكتسبت اللقطات أهمية إضافية بعد مرور سنوات على تسجيلها، خصوصا أنها أعادت إلى الواجهة شخصيتين كانتا في قلب المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تعلن كتائب القسام استشهاد الضيف والسنوار خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما منح المشاهد أبعادا مختلفة لدى كثير من المتابعين.
وجاء الكشف عن التسجيلات ضمن تحقيق جديد لبرنامج «ما خفي أعظم»، الذي يقدمه الإعلامي تامر المسحال على شاشة الجزيرة، تحت عنوان «محمد الضيف.. أسرار ما قبل الطوفان»، وتضمن مواد مصورة ووثائق وشهادات نادرة، بعضها يعرض للمرة الأولى، تتناول محطات من حياة الضيف ومسيرته في قيادة كتائب القسام، وصولا إلى مراحل التخطيط لعملية «طوفان الأقصى».
مكالمة تكشف لحظة إنسانية نادرة
أظهرت اللقطات السنوار خلال مكالمة هاتفية مع محمد الضيف، في أعقاب انتهاء معركة «سيف القدس» والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في مايو 2021، حيث بدا عليه التأثر الشديد، وظهرت الدموع في عينيه بينما كان يتحدث إلى قائد الجناح العسكري لحماس.
ولفتت المشاهد الانتباه إلى اختلاف الصورة التي ظهر بها السنوار عن ظهوره المعتاد في الخطابات واللقاءات السياسية، إذ كشفت عن جانب إنساني نادر من شخصيته، في لحظة اختلطت فيها مشاعر الارتياح بانتهاء المواجهة مع ما خلفته من خسائر وتضحيات.
ولم تكن المكالمة مجرد تسجيل عابر من كواليس انتهاء المعركة، بل تحولت إلى واحدة من أبرز المواد التي عرضها التحقيق، نظرا لما حملته من دلالات مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الرجلين، ودورهما في إدارة المواجهة خلال تلك المرحلة.
كما أعادت اللقطات التذكير بالأجواء التي صاحبت إعلان وقف إطلاق النار، وما شهدته الأراضي الفلسطينية من مظاهر احتفال وعودة للمصلين إلى المسجد الأقصى، بعد أيام من المواجهات والتصعيد الإسرائيلي في القدس وقطاع غزة.
"ما خفي أعظم" يكشف أسرار الضيف
ولم تقتصر الحلقة الجديدة من برنامج «ما خفي أعظم» على عرض مكالمة السنوار والضيف، وإنما قدمت مجموعة من التسجيلات والوثائق التي تسلط الضوء على مسيرة قائد كتائب القسام، الذي ظل اسمه بعيدا عن الظهور الإعلامي المباشر لعقود طويلة.
وظهر محمد الضيف في مشاهد استثنائية خرج فيها من دائرة الظهور المحدود إلى الحديث عن محطات من حياته، مستعرضا بعض التفاصيل المتعلقة ببداياته ومسيرته داخل الحركة، فيما تناول التحقيق مراحل انتقاله إلى مواقع قيادية داخل الجناح العسكري لحماس.
واستند البرنامج إلى مواد أرشيفية وشهادات نادرة وتسجيلات مصورة، تكشف جوانب من حياة الضيف، بدءا من نشأته وبدايات انخراطه في العمل المقاوم، مرورا باعتقاله، وصولا إلى توليه قيادة كتائب القسام، ودوره في إدارة عملياتها العسكرية على مدار سنوات.
ومن بين أبرز المواد التي عرضها التحقيق شريط مصور يعود إلى عام 1994، يظهر فيه مقاتل ملثم يعلن مسؤولية كتائب القسام عن خطف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان، في واحدة من المحطات المبكرة التي ارتبطت بتاريخ العمليات العسكرية للحركة.
كما تناول التحقيق مراحل من التخطيط لعملية «طوفان الأقصى»، التي نفذتها كتائب القسام وفصائل فلسطينية أخرى في السابع من أكتوبر 2023، وما سبقها من ترتيبات وتطورات داخل الجناح العسكري للحركة.
وأتاح تنوع المواد التي عرضتها الحلقة تقديم صورة أكثر اتساعا عن شخصية الضيف، الذي ارتبط اسمه بالعمل العسكري السري، وظل ظهوره العلني محدودا للغاية، الأمر الذي جعل التسجيلات الجديدة محل اهتمام واسع لدى المتابعين.
«دموع رجال كالجبال» تتصدر التفاعل
وبعد بث الحلقة، انتشرت لقطات مكالمة السنوار مع الضيف على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتصدرت عبارة «دموع رجال كالجبال» جانبا كبيرا من التعليقات التي تناولت المشهد، في إشارة إلى التأثر الذي ظهر على رئيس حماس في قطاع غزة آنذاك.
أبو إبراهيم السنوار القائد والإنسان في لحظة انتهاء معركة سيف القدس (2021م) التي أبلت بها المقاومة بلاءً حسنًا، في مشهد مستمد من رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين دخل مكة المكرّمة مطأطئ الرأس، و لحيته لامست ناقته، خشوعاً وتواضعًا. https://t.co/ol2VlcZCdO
— محمد حامد العيلة || Mohammed H. Alaila (@Moh_Aila) October 30, 2026
وتوقف كثير من المتابعين أمام احمرار عيني السنوار والدموع التي كان يمسحها بيده أثناء المكالمة، معتبرين أن المشهد كشف جانبا مختلفا من شخصية الرجل، بعيدا عن الصورة المرتبطة بالخطابات السياسية والظهور الميداني.
وقال ناشطون إنهم يشاهدون السنوار للمرة الأولى في هذه الحالة من التأثر، مشيرين إلى أن اللقطات حملت مشاعر يصعب اختزالها في مجرد فرحة بانتهاء المواجهة، بالنظر إلى ما شهدته تلك الفترة من أحداث دامية وتضحيات فلسطينية.
ورأى متفاعلون أن دموع السنوار عكست مزيجا من مشاعر الفخر والارتياح والامتنان، خصوصا مع ارتباط نهاية المعركة بعودة المصلين إلى المسجد الأقصى، الذي كان أحد أبرز أسباب اندلاع المواجهة.
وتداول آخرون صورا ومقاطع من ساحات المسجد الأقصى عقب انتهاء القتال، مستحضرين مشاهد المصلين الفلسطينيين وهم يعودون إلى الصلاة في باحاته، بعد فترة من التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية التي سبقت المواجهة.
السنوار يذرف الدموع خلال مكالمة مع أبو خالد الضيف فرحاً بالمشاهد التي بثها الإعلام للفلسطينيين أثناء عودتهم للصلاة في المسجد الأقصى بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منه ورفع بواباته الإلكترونية نهاية الحرب التي شنها أبو خالد الضيف لنصرة أهل القدس سنة 2021. https://t.co/ANjfkgskbH
— Tamer | تامر (@tamerqdh) October 30, 2026
مصير السنوار والضيف بعد سنوات
واكتسبت التسجيلات التي عرضتها الجزيرة أهمية إضافية بسبب النهاية التي وصل إليها كل من السنوار والضيف، بعد سنوات من معركة «سيف القدس» التي جرت خلالها المكالمة الهاتفية.
وكان محمد الضيف من أبرز المطلوبين لإسرائيل على مدار عقود، ونجا من عدة محاولات اغتيال استهدفته خلال مسيرته، فيما ظل ظهوره الإعلامي نادرا، واقتصر في الغالب على تسجيلات صوتية أو بيانات مصورة محدودة.
وأعلنت إسرائيل اغتيال الضيف في غارة جوية استهدفت منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، في يوليو 2024، قبل أن تؤكد كتائب القسام استشهاده رسميا في يناير 2025.
أما يحيى السنوار، الذي تولى قيادة حركة حماس في قطاع غزة قبل أن يصبح رئيسا للمكتب السياسي للحركة، فقد استشهد في 16 أكتوبر 2024، إثر اشتباك مسلح مع القوات الإسرائيلية في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوبي القطاع.
وأظهرت صور ومقاطع مصورة نشرتها إسرائيل عقب العملية تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة السنوار، الذي ظل في دائرة الاستهداف الإسرائيلي لسنوات، قبل استشهاده خلال المواجهات البرية في جنوب غزة.
وبين تسجيلات الماضي ومشاهد الحرب الأخيرة، أعادت حلقة «ما خفي أعظم» فتح ملفات مرتبطة بمسيرة محمد الضيف، وقدمت للجمهور مواد نادرة عن حياته وعلاقته بقيادة حماس، فيما تحولت مكالمة السنوار معه إلى محور رئيسي للتفاعل، بعدما استحضرت لدى المتابعين مرحلة «سيف القدس» ومشاهدها، وربطت بين لحظة التأثر التي وثقها التسجيل والمصير الذي انتهى إليه الرجلان لاحقا.
دموع رجال كالجبال... الشهيد #السنوار يتصل على الشهيد #الضيف بدعاء وبكاء. #ما_خفي_اعظم https://t.co/aaXLYaUcr4
— محمد المختار الشنقيطي (@mshinqiti) October 31, 2026

