تتصاعد المطالبات البرلمانية والشعبية في مصر بضرورة الإلغاء الكامل لضريبة الأطيان الزراعية البالغة 14% من القيمة الإيجارية السنوية للفدان، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمات المعيشية التي تحاصر المزارعين وتهدد استقرار الأمن الغذائي في البلاد.
وتستمر الحكومة في الاعتماد على المسكنات المؤقتة عبر تمديد قرارات وقف تحصيل الضريبة منذ عام 2017، دون تقديم حلول جذرية تحمي صغار الملاك الذين لا تتجاوز حيازتهم 3 أفدنة من تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج.
أعباء مالية تقوض استقرار الفلاحين
وتفرض السياسات المالية الحالية ضغوطا متزايدة على العاملين في القطاع الزراعي، حيث تكتفي مصلحة الضرائب العقارية بملاحقة المزارعين لتحصيل المتأخرات السابقة، مما يحرم الفلاح من الأمان المالي اللازم للتوسع في زراعة المحاصيل الأساسية وزيادة الرقعة الخضراء.
وفي هذا السياق، يطالب النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، بإنهاء العمل بهذه الضريبة بشكل قاطع، معتبرا أن تجميدها المؤقت لم يعد يجدي نفعا أمام الارتفاعات المتتالية في أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي.
علاوة على ذلك، تشير بيانات وزارة المالية إلى أن الحصيلة الفعلية لضريبة الأطيان لم تتجاوز 200 مليون جنيه في عام 2017، وهو مبلغ ضئيل للغاية أمام الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمنتجين الزراعيين جراء استمرار بقاء هذا التشريع.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، أن الإبقاء على قوانين ضريبية مجمدة يخلق حالة من عدم اليقين التشريعي، مما يدفع المستثمرين وصغار المزارعين إلى العزوف عن ضخ أموال جديدة في استصلاح الأراضي.
وبالإضافة إلى ما سبق، تتزامن هذه الضغوط الضريبية مع تحذيرات واسعة من خطورة إلغاء دعم الأسمدة، وهو توجه يهدد بتدمير اقتصاديات زراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل الموالح والبنجر، ويضع الفلاح أمام خسائر مالية فادحة لا يمكن تعويضها.
ونتيجة لذلك، يواجه المزارع المصري معادلة صفرية بين ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة من جهة، وبين استمرار التهديد بعودة فرض ضريبة تلتهم 14% من عوائده الإيجارية من جهة أخرى، مما يقلص من فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي.
الضرائب غير المباشرة تغذي التضخم
وعلى صعيد متصل، تتوسع الحكومة في فرض الضرائب غير المباشرة لتمويل خططها المالية، حيث تستهدف جمع حصيلة قياسية تتجاوز 389 مليار جنيه خلال العام الحالي، مما يلقي بظلال قاتمة على القدرة الشرائية للمواطنين ومستوى معيشتهم.
وإلى جانب ذلك، يؤدي هذا التوسع الجبائي إلى ارتفاعات متتالية في أسعار كافة السلع والخدمات، بما في ذلك المنتجات الزراعية المعفاة أصلا من الضرائب، نظرا لتضخم تكاليف النقل والتخزين وكافة حلقات التداول التجاري في الأسواق.
وفي ضوء هذه المعطيات، يوجه أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ تساؤلات حاسمة للحكومة حول غياب التقييم الحقيقي للأثر التضخمي الناتج عن هذه السياسات، مطالبا بكشف حجم مساهمة الضرائب في موجات الغلاء التي تضرب الأسواق.
ومن جهته، يوضح الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات المالية، أن الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة ينقل العبء المالي بالكامل إلى المستهلك النهائي، ويؤدي إلى ركود تضخمي يضرب القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة.
فضلا عن ذلك، تتجاهل الموازنات الحكومية الحالية مبدأ العدالة الضريبية عبر التركيز على الجباية السريعة لتحقيق مستهدفات الـ 389 مليار جنيه، دون النظر إلى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي تطحن الفئات محدودة الدخل وصغار المنتجين في الريف.
وبناء على ذلك، تتحول حلقات التوزيع والنقل إلى عبء إضافي يضاعف من السعر النهائي للغذاء، حيث يتحمل المواطن تكلفة السياسات المالية المتشددة، بينما يعجز الفلاح عن تحقيق هامش ربح يضمن له الاستمرار في العملية الإنتاجية.
سياسات زراعية تهدد الأمن الغذائي
ومن ناحية أخرى، تصطدم الإجراءات الحكومية المتعلقة بحظر اعتماد المحاضر الورقية للحجز الإداري بواقع ميداني معقد، حيث تظل التهديدات المالية قائمة طالما لم يصدر تشريع يلغي ضريبة الأطيان البالغة 14% ويسقط كافة المتأخرات المتراكمة.
وفي هذا الإطار، يحذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بجامعة القاهرة، من أن غياب الحماية الحقيقية للفلاح وتقليص الدعم الموجه لمستلزمات الإنتاج سيؤديان حتما إلى تراجع المساحات المنزرعة وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
وعلاوة على ما تقدم، تفتقر الخطط الحكومية إلى التوازن المطلوب بين تنمية الإيرادات العامة وحماية القطاعات الحيوية، إذ يؤدي استنزاف الفلاح ماليا إلى تقويض دعائم الأمن الغذائي القومي وزيادة الفجوة الغذائية في السلع الأساسية.
وبالتوازي مع ذلك، يرى متخصصون أن الاكتفاء بإعفاء أصحاب الحيازات التي تقل عن 3 أفدنة لم يعد كافيا لحماية القطاع، نظرا لتفتت الملكية الزراعية وارتفاع تكلفة زراعة الفدان الواحد إلى مستويات غير مسبوقة.
وختاما، يبقى مستقبل الزراعة المصرية مرهونا بتغيير جذري في الفلسفة المالية للدولة، بحيث تنتقل من نهج الجباية وتحصيل الـ 200 مليون جنيه إلى سياسة الدعم المستدام الذي يحمي الفلاح ويحفظ استقرار الأسعار في الأسواق.

