تشهد إيطاليا موجة من الاحتجاجات والتحركات النقابية على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية على العمال والأسر محدودة الدخل والطلاب والمتقاعدين، بالتزامن مع إضرابات سائقي الشاحنات والمزارعين والصيادين في مناطق من جنوب البلاد، احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود والمواد الخام وتكاليف التشغيل.

 

وأدت التحركات إلى إغلاق طرق رئيسية وتعطيل نقل البضائع، ما تسبب في اضطرابات بإمدادات الغذاء والوقود في عدد من المناطق، وأثار مخاوف من اتساع نطاق النقص في الأسواق، خصوصا مع تأثر المنتجات الطازجة والسلع سريعة التلف. وتتركز مطالب المحتجين على زيادة الأجور، وإقرار حد أدنى قانوني لها، وتجميد أسعار السلع الأساسية، وتقديم دعم حكومي للطاقة، إلى جانب وضع سقف لإيجارات مساكن الطلاب.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة معيشية ممتدة، تشير تقديرات إلى تراجع الأجور الحقيقية في إيطاليا بنحو 10% خلال العقد الأخير، مقابل ارتفاع إيجارات العقارات بنحو 30%، وهو ما زاد الأعباء على الأسر والشباب، ودفع طلابا إلى الاحتجاج أمام جامعات في روما وميلانو للمطالبة بمساكن جامعية مناسبة وتكاليف إقامة يمكن تحملها.

 

 

إضرابات النقل تربك الأسواق

 

في جنوب إيطاليا، أعلن سائقو الشاحنات والمزارعون والصيادون في مناطق من أقاليم كالابريا وبوليا وبازيليكاتا إضرابا مفتوحا، احتجاجا على الارتفاع الكبير في أسعار الديزل والمواد الخام، وما يفرضه ذلك من أعباء إضافية على أنشطتهم الاقتصادية.

 

وشملت التحركات قطع طرق سريعة وإغلاق بوابات تحصيل الرسوم، في محاولة للضغط على الحكومة من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة تخفف تكاليف التشغيل. وقال سائقون إن تكلفة تعبئة خزانات شاحناتهم بالديزل تستنزف أرباحهم، في وقت أصبحت فيه الإيرادات غير كافية لتغطية النفقات المتزايدة، مطالبين بإعفاءات ضريبية على المحروقات.

 

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع النقل، إذ حذر مزارعون من تعرض محاصيلهم للتلف نتيجة ارتفاع تكاليف نقلها وصعوبة إيصالها إلى الأسواق، فضلا عن عدم قدرتهم على بيع المنتجات بأسعار تضمن تغطية النفقات وتحقيق عائد مناسب.

 

ويعتمد الاقتصاد الإيطالي بدرجة كبيرة على النقل البري في توزيع السلع بين مناطق البلاد، وهو ما يجعل تعطل حركة الشاحنات عاملا مؤثرا في سلاسل الإمداد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالخضراوات والفواكه ومنتجات الألبان وغيرها من السلع التي تحتاج إلى النقل السريع.

 

ومع استمرار الاحتجاجات، امتدت آثار تعطل الشحن إلى أسواق محلية في الجنوب، حيث واجه التجار صعوبات في الحصول على كميات كافية من بعض المنتجات، بينما تزايدت مخاوف المستهلكين من ارتفاع الأسعار أو عدم توافر احتياجاتهم اليومية.

 

 

نقص الغذاء والوقود في الجنوب

 

شهد إقليم كامبانيا، ولا سيما مدينتا نابولي وكازيرتا، نقصا في عدد من المنتجات الغذائية، من بينها المنتجات الطازجة والمعكرونة والأجبان، إلى جانب تأثر بعض محطات الوقود بتعطل الإمدادات.

 

وفي إقليم كالابريا، امتد النقص إلى الخضراوات والفواكه، فيما أفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»، في 21 أكتوبر، بنفاد وقود الطائرات في مطاري كروتوني وريجو كالابريا، في مؤشر على اتساع نطاق التداعيات المرتبطة باضطراب حركة النقل والإمدادات.

 

أما في إقليم بوليا، فتصاعدت مخاوف المزارعين من تلف كميات من المحاصيل بسبب تعذر نقلها إلى الأسواق، في حين شهدت أسواق صقلية إقبالا من المواطنين على تخزين المواد الغذائية، وسط القلق من استمرار الاضطرابات واحتمال تراجع المعروض.

 

ولم تتوقف التأثيرات عند المناطق التي شهدت الإضرابات بصورة مباشرة، إذ بدأت تداعياتها تظهر في وسط البلاد، مع تأثر إقليم لاتسيو بنقص بعض الخضراوات والفواكه الواردة من الجنوب. كما برزت مخاوف من امتداد الاضطرابات إلى إمدادات الحليب والمنتجات سريعة التلف، التي تعتمد على انتظام النقل والتوزيع.

 

وبدأت الاحتجاجات تنحسر في بعض المناطق يوم الخميس 22 أكتوبر، بعد إقرار الحكومة مساعدات إضافية. ووافق ممثلو سائقي الشاحنات في صقلية على رفع الحواجز، فيما علق سائقون في كالابريا احتجاجاتهم، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

 

 

أزمة السكن تضغط على الطلاب

 

بالتوازي مع احتجاجات قطاعات النقل والإنتاج، تعكس التحركات الطلابية جانبا آخر من الأزمة المعيشية، يتمثل في ارتفاع تكاليف السكن وصعوبة تحمل نفقات الدراسة والإقامة في المدن الكبرى.

 

وفي روما وميلانو، نظم طلاب احتجاجات ونصبوا خياما أمام جامعات، اعتراضا على ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة على الحصول على سكن ملائم بأسعار مناسبة. ويطالب المحتجون بوضع سقف قانوني للإيجارات، وتوسيع توفير المساكن الجامعية المدعومة، بما يسمح للطلاب بمواصلة دراستهم دون تحمل أعباء مالية تفوق إمكاناتهم.

 

وقالت طالبة جامعية في ميلانو إن استئجار غرفة مشتركة بات يكلف ما بين 600 و700 يورو شهريا، معتبرة أن هذه التكاليف تضع الطلاب أمام خيارات صعبة، بين الاستمرار في التعليم الجامعي وتحمل نفقات الإقامة، أو التخلي عن الدراسة بسبب الضغوط المالية.

 

وتكتسب أزمة السكن أهمية إضافية في ظل ارتفاع الإيجارات بنحو 30%، وفق التقديرات الواردة في البيانات المتعلقة بالأزمة، بالتزامن مع تراجع الأجور الحقيقية خلال السنوات الماضية. ويعني ذلك أن ارتفاع تكاليف الإقامة لا يمثل مشكلة منفصلة عن بقية الضغوط الاقتصادية، بل يأتي ضمن أزمة أوسع تتعلق بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية.

 

وتظهر شهادات المواطنين حجم الضغوط التي تواجهها الأسر، إذ قال عامل في قطاع الخدمات بميلانو إن الأجور لم ترتفع بما يتناسب مع الزيادة في فواتير الطاقة والغاز وأسعار الغذاء، مشيرا إلى أن كثيرا من الأسر أصبحت تجد صعوبة في تغطية احتياجاتها الأساسية.

 

وفي المقابل، أعرب مدرس متقاعد من روما عن تفهمه لدوافع الاحتجاجات، لكنه أبدى قلقه من أعمال التخريب وتكسير واجهات المحال خلال بعض التحركات. وتعكس هذه الشهادات تباينا في المواقف تجاه أساليب الاحتجاج، مع استمرار وجود مطالب اقتصادية واجتماعية تدفع قطاعات مختلفة إلى التعبير عن استيائها.

 

 

انتقادات لسياسات الطاقة الحكومية

 

من جانبها، قالت عضو لجنة المالية بمجلس النواب الإيطالي عن حركة «5 نجوم»، النائبة إنريكا أليفانو، إن ارتفاع تكاليف الطاقة يمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه المنظومة الإنتاجية في البلاد، موضحة أن استمرار أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة يزيد الأعباء على الشركات والأسر.

 

وأضافت أليفانو، أن الشركات تضطر إلى تحمل نفقات إضافية، بينما تواجه الأسر تراجعا متواصلا في قدرتها الشرائية، معتبرة أن بعض الفئات تتأثر بالأزمة بصورة أشد، وفي مقدمتها المزارعون والعاملون في صيد الأسماك وسائقو الشاحنات.

 

وأشارت إلى أن بعض محطات الوقود في أقاليم جنوب إيطاليا ظلت مغلقة، بالتزامن مع خلو أرفف بعض متاجر المواد الغذائية من منتجات أساسية. وانتقدت المساعدات التي أعلنتها الحكومة، معتبرة أن بعض الإجراءات، ومنها المزايا الضريبية المقدمة في صورة ائتمانات ضريبية، لا توفر سيولة فورية للمتضررين، لأنها تتيح الاستفادة منها لاحقا، بينما تحتاج الشركات والأسر إلى دعم عاجل.

 

ورأت النائبة أن التعامل مع ارتفاع الأسعار يتطلب معالجة الأسباب المرتبطة بأزمة الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية، وليس الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لتخفيف آثارها. وأشارت إلى أن استمرار الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار الدولي ينعكسان على أسواق الطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل، بما يزيد الضغوط على الاقتصاد الإيطالي.

 

كما انتقدت أليفانو السياسة الطاقوية للحكومة الحالية، معتبرة أنها لم توفر استجابة كافية للتحديات القائمة، وتطرقت إلى تأخر التحرك لتعزيز مصادر الطاقة المتجددة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تقليل التعرض لتقلبات أسواق الوقود.

 

وأشارت إلى أن الحكومة تسعى إلى تفعيل ما يعرف ببند الاستثناء الوطني لتخصيص موارد إضافية لتعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة، بعد أن شهدت الخطط السابقة تعديلات طالت التمويل المخصص لمجتمعات الطاقة المتجددة. كما انتقدت توجه إيطاليا إلى ترسيخ موقعها مركزا أوروبيا للغاز، في إطار ما يعرف بخطة ماتي.

 

واعتبرت أليفانو أن السياسات الحكومية لم تحقق، من وجهة نظرها، النتائج المطلوبة في التعامل مع الضغوط الداخلية والتحديات الدولية، محذرة من استمرار الآثار السلبية على الأسر والقطاعات الإنتاجية إذا لم تتخذ إجراءات أكثر تأثيرا في تكاليف الطاقة.

 

 

أزمات اقتصادية ممتدة

 

في المقابل، يرى المحلل الجيوسياسي الإيطالي ورئيس تحرير موقع «ديكود 39»، إيمانويلي روسي، أن الاحتجاجات الحالية تعكس تداخل أزمات اقتصادية عاجلة مع مشكلات هيكلية تراكمت على مدى عقود، ولا يمكن تفسيرها من خلال السياسات الحكومية الحالية وحدها.

 

وقال روسي، إن إيطاليا تعاني تاريخيا نموا اقتصاديا متواضعا، وضعفا في الإنتاجية، وأجورا أقل نموا مقارنة بمستويات الأجور في دول أوروبية أخرى، مشيرا إلى أن هذه الاختلالات تفاقمت مع موجة التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالصراع الإقليمي في الشرق الأوسط.

 

وأضاف أن معدل التضخم بلغ 4.2% في سبتمبر، وفقا للبيانات التي استند إليها، موضحا أن تباطؤ التضخم من الناحية الإحصائية لا يعني انخفاض الأسعار إلى مستوياتها السابقة، إذ تظل الأسر مضطرة إلى دفع تكاليف مرتفعة مقابل الغذاء والمحروقات وفواتير الخدمات.

 

وأشار إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار يقلص المساحة المتاحة أمام الأسر لتغطية احتياجاتها الأخرى، ويزيد الشعور بعدم الاستقرار، خصوصا لدى الفئات الأكثر هشاشة والمهاجرين من الجيلين الثاني والثالث.

 

واعتبر روسي أن إضراب الشاحنات يمثل انعكاسا مباشرا لهذه الظروف، في ظل ضآلة هوامش الربح وتذبذب تكاليف الطاقة، كما يكشف عن مدى اعتماد الاقتصاد الإيطالي على النقل البري في حركة السلع وتوزيعها.

 

وأوضح أن الحكومة تعمل في ظل قيود مالية وموازنية تحد من قدرتها على تقديم حلول سريعة لجميع المشكلات، في وقت تتطلب فيه معالجة الأزمات الاقتصادية إجراءات تتجاوز التدخلات المؤقتة.

تحذيرات من الاستقطاب والتضليل


وتطرق روسي إلى المخاطر المرتبطة باستغلال الأزمات الاجتماعية في الصراعات السياسية، محذرا من أن أطرافا خارجية قد تحاول توظيف حالة الاستياء عبر حملات التضليل الرقمي وتضخيم الانقسامات داخل المجتمعات الغربية.

 

وأشار إلى روسيا والصين في هذا السياق، لكنه شدد على أن الحديث عن هذه المخاطر لا يعني وجود دليل يربط الاحتجاجات الحالية مباشرة بتدخل خارجي، داعيا إلى التمييز بين المطالب الاقتصادية المشروعة ومحاولات استغلالها سياسيا.

 

وبحسب رؤيته، فإن الضغوط المعيشية قد تزيد الاستقطاب إذا لم تتمكن المؤسسات من الاستجابة لمطالب المواطنين، خصوصا عندما تتزامن الأزمات الاقتصادية مع تراجع الثقة في السياسات العامة وارتفاع الشعور بعدم الأمان الاجتماعي.