السنوسي بسيكري
رئيس المركز الليبي للدراسات
أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم بين طرابلس وأنقرة ملف النزاع على ثروات شرق المتوسط إلى الواجهة من الجديد وبدرجة سخونة أعلى مما سبق عند التوقيع على المذكرة العام 2019م.
فقد نجحت الدبلوماسية التركية في انتزاع إقرار البرلمان الليبي للمذكرة، والذي كان معارضا لها بشدة حتى أنه أصدر قرارا العام 2020م يقضي بقطع العلاقات مع تركيا، وهذا التطور يعزز من الموقف التركي في المواجهة مع الخصوم التقليديين، اليونان وقبرص، إلا إنه يدفع بالتوتر بين الأطراف المعنية بثروات شرق المتوسط خطوة إلى الامام.
اليونان وقبرص اعتمدتا في موقفهما الرافض لمذكرة التفاهم بين طرابلس وأنقرة على عدم مصادقة مجلس النواب الليبي عليها، ومعلوم كيف سعت أثينا إلى تعزيز تماسك موقف جبهة الشرق الليبي من المذكرة من خلال تحقيق اختراق في علاقتها بالقيادة العامة للجيش التابع لمجلس النواب على الصعيد السياسي والاقتصادي والامني. فأن يقع هذا التغيير الجذري في موقف جبهة الشرق الليبي، فإن هذا ما لم تحسب حسابه الاطراف الإقليمية المعارضة.
والحقيقة أن التحول في موقف كتلة الشرق الليبي تجاه الأتراك يثير الدهشة، فالأمر لا يتعلق بالمصالح الليبية في الاتفاق البحري الليبي التركي، بل بتطلعات سياسية جامحة في الداخل الليبي كان لها أثرها الكبير على التحالفات الإقليمية التي شكلت المشهد السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي في شرق ليبيا لما يزيد عن عقد من الزمان، ذلك أن الدعم الذي تلقاه مجلس النواب في صراعه مع نظيره المؤتمر الوطني العام، في غرب البلاد، منذ العام 2014م، والتأييد الذي حظي به الجيش التابع لمجلس النواب في حروبه المتعددة، جاء في الأساس من الأطراف المعارضة للنفوذ التركي في ليبيا، وفي مقدمة تلك الدول تأتي مصر.
وللقارئ أن يتصور حجم التحول في العلاقة بين جبهة الشرق الليبي والقاهرة من خلال التباين في المواقف يوم أن كان الجيش يعتمد بقوة على الدعم المصري لدرجة أن يصرح خليفة حفتر أنه يدعم أي قرار مصري يخص ليبيا حتى لو لم يكن في صالح البلاد، ووصفه أوردغان بالغازي والمعتوه والراعي للإرهاب، وموقفه اليوم وهو يهلل لمصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم التي وقفت القاهرة ضدها بقوة، ويستقبل المسؤولين الاتراك بحفاوة بالغة.
الاعتراض المصري على الاتفاق الليبي التركي تأسس على المعطى القانوني، والتحجج بان المذكرة تضرب بعرض الحائط اتفاقيات دولية ومصالح إقليمية سبقت التفاهم الليبي التركي، وهذا منطق ذرائعي يناقض تماما السلوك المصري حيال المشكل الليبي منذ العام 2014م، والذي كان، ولا يزال، منطلقه مصلحي ضيق يتجاوز الأطر السياسية والقانونية التي من المفترض انها تضبط علاقات القاهرة مع أطراف النزاع الليبي في الغرب والشرق، فقد كان التدخل المصري في الشأن الليبي من بين أسباب تأجيج ذلك النزاع، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى التأييد المصري للهجوم على طرابلس العام 2019م، الذي قوض مساعي المنتظم الدولي لنزع فتيل الصراع، والذي كان السبب الرئيس في قبول حكومة الوفاق، على عجل، بمذكرة التفاهم مع الاتراك، ولنتذكر أن وزير الخارجية المصري السابق، سامح شكري، صرح بأن الاتفاقية الليبية التركية لا تمس المصالح المصرية، ومعلوم ان الاتفاقية تمنح مصر مساحات أوسع من تلك التي تتحصل عليها باتفاقها مع اليونان، وهذا يعزز القول بان الموقف المصري تحركه نوازع سياسية وارتباطات إقليمية تتخوف من النشاط التركي المتزايد على الساحة الاقليمية بل والدولية.
التحول في موقف جبهة الشرق الليبي له تبعاته محليا ودوليا، فإغضاب القاهرة وتل أبيب والاتحاد الأوروبي ليس توجها محببا بالنسبة لهم لولا أن حسابات الربح والخسارة قد تغيرت، ويبدو أن فواعل الشرق يعطون الأولوية لخطة تقاسم السلطة التي ترعاها واشنطن، وتلعب أنقرة دورا أساسيا فيها، ويدركون أن التفاهم مع جبهة الغرب الليبي بما يحقق مصالحهم يتطلب استقطاب أنقرة، لذا فإن اعتماد المذكرة له ما بعده، فالسرعة في تغيير رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، المعروف بعلاقته القوية مع مصر، والذي ماطل في تمرير مذكرة التفاهم، ثم المصادقة على المذكرة من قبل المجلس، سيلحقه تطور مهم على مستوى إعادة ترتيب خارطة النفوذ السياسي والأمني في البلاد. ووجود رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كولن، في طرابلس يوم المصادقة على المذكرة ليس مصادفة ولا حدثا عابرا، والمعلومات تشير إلى أن مجيئ صدام والزوبي، ممثلا الجيش في الغرب والشرق، إلى تركيا إنما لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات الأمنية لدعم خطة بولس.
على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن التوتر يأخذ منحى تصعيدي، والبيان الإسرائيلي بخصوص المذكرة يكشف عن تشنج يتجاوز التحفظ على الموقف التركي من النزاع حول ثروات شرق المتوسط، ويتساوق مع حملة التعبئة الإسرائيلية ضد تركيا، وينسجم مع قلق اليونان الشديد، وسيكون الوضع إقليميا قابلا للاشتعال إذا شرعت أنقرة في التنقيب عن النفط والغاز في المناطق التي تمنحها المذكرة صلاحية التنقيب فيها.

