أطفال لم تتجاوز أعمارهم 7 سنوات باتوا مُجبَرين على خوض رحلات يومية شاقة إلى مدارس (التجريبية لغات) تبعد عشرات الكيلومترات عن منازلهم، تستغرق نحو 5 ساعات ذهابًا وإيابًا، إثر قيام مديريات التعليم بتسكين وتوزيع آلاف التلاميذ في تلك المدارس الواقعة خارج نطاق محيطهم السكني تمامًا.
وهو ما فجر اعتراضات الآلاف من أولياء الأمور في أحياء العمرانية والطالبية بمحافظة الجيزة على وجه الخصوص، الذين تفاجأوا بإلحاق أبنائهم بمدارس تجريبية تقع في أطراف ومراكز المحافظة النائية مثل أطفيح، والصف، والعياط، وسط تضامن العديد من أعضاء مجلس النواب معهم، مطالبين وزارة التعليم بسرعة التدخل لحل تلك الأزمة.
إذ يضطر العديد من الأطفال في مرحلة رياض الأطفال (KG) والابتدائي إلى الاستيقاظ في فجر اليوم الدراسي لخوض مشوار طويل يتجاوز الساعتين من أجل الوصول إلى مدارسهم، وسط مخاطر الطرق السريعة والتكلفة المالية الباهظة لوسائل النقل.
واحتشد العشرات من أولياء الأمور المتضررين أمام ديوان عام محافظة الجيزة للمطالبة بلقاء المحافظ والتدخل الإداري الاستثنائي الفوري لإعادة توزيع أبنائهم وفقاً للمربع السكني الفعلي.
عبء اقتصادي وقلق لايفارق أولياء الأمور
شكى الآباء الموظفون من استحالة مرافقة أبنائهم يوميًا في هذه الرحلات الطويلة، مما يضطرهم للاستعانة بمرافقين ودفع مبالغ إضافية، وهو ما يمثل عبئًا اقتصاديًا خانقًا يتزامن مع ظروف الغلاء الحالي.
وأكد أولياء الأمور أن المسافات الشاسعة بين سكنهم والمدارس البعيدة فرضت عليهم دفع اشتراكات شهريّة ضخمة للاشتراك في "باص" تتجاوز أحيانًا قيمة المصروفات المدرسية السنوية نفسها بنسبة كبيرة.
وعبّرت الأمهات عن حزنهن الشديد لرؤية أطفالهن ينامون مجهدين في رحلات الذهاب والعودة، وعودتهم في حالة إعياء تام، مما يقضي على أي فرصة لديهم للمذاكرة، أو اللعب، أو ممارسة حياة طبيعية.
وأبدى الأهالي رعبهم وخوفهم الدائم والمستمر على حياة أطفالهم؛ نظًرً لأن خط سير الحافلات المدرسية يمر عبر طرق سريعة وصحراوية مفتوحة (مثل الدائري والإقليمي)، مما يجعل الأطفال عرضة لمخاطر حوادث السير بصفة يومية.
من جهتنها، دافعت مديريات التربية والتعليم عن موقفها، قائلة إن المدارس القريبة من منازل الطلاب بلغت حدها الأقصى من الكثافة الاستيعابية، مما اضطر المنظومة الإلكترونية لتوزيع الطلاب الفائضين على الأماكن الشاغرة المتبقية في المراكز البعيدة لـ "حفظ مكان قيد رسمي" للطفل بالتعليم التجريبي بدلاً من استبعاده نهائيًا.
إلغاء التسكين العشوائي
وتقدم المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل لوزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محذرًا من المخاطر الأمنية والجسدية التي يتعرض لها الأطفال جراء هذا الاغتراب الجغرافي القسري، ومطالبًا بإلغاء التسكين العشوائي.
وشدد منصور على أن إجبار أطفال في سن الـ 6 والـ 7 سنوات على السير لمسافات تتخطى 50 كيلومترًا يمثل تعريضًا صريحًا لحياتهم وأمنهم الخطر؛ نظرًا لطول فترة مكوثهم في حافلات النقل عبر الطرق السريعة.
وقال إن الطفل الذي يقضي 5 ساعات يوميًا في المواصلات يستحيل عليه الاستفادة من المنظومة التعليمية، مما يُعد هدرًا للمستهدفات الإستراتيجية التي أعلنتها الدولة في خطط تطوير التعليم بـ "منتدى مصر 2026" المنعقد حاليًا.
مقترحات بديلة
وطالب عضو مجلس النواب وزارة التربية والتعليم ومحافظة الجيزة بوقف العمل بالمنظومة الإلكترونية الحالية للتسكين فورًا، وتطبيق ثلاثة بدائل عاجلة:
فتح "فترات مسائية استثنائية" بالمدارس الرسمية لغات القريبة من مقار سكن الأطفال داخل أحياء العمرانية والطالبية.
التوسع الفوري في نظام "الفصول الملحقة المؤقتة" داخل المدارس الحكومية المجاورة لاستيعاب الكثافات الزائدة كحل مؤقت لحين بناء منشآت جديدة.
السماح بتبادل المقاعد الشاغرة بين الإدارات التعليمية بشكل مرن يراعي التوزيع الجغرافي الفعلي للأسر.
واستجابة للأزمة، شكلت لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب لجنة مصغرة لبحث آليات فتح "فصول ملحقة مؤقتة" في المدارس القريبة، أو التوسع في نظام الفترات الممتدة (المسائية) لاستيعاب هؤلاء الأطفال بالقرب من رعاية أسرهم.

