تبتلع أنقاض العقارات المتهالكة في محافظة الإسكندرية أرواح المواطنين الأبرياء وسط تقاعس رسمي مستمر عن معالجة جذور الكارثة المتكررة في الأحياء الشعبية المكدسة بالسكان.
وتعكس فاجعة سقوط عقار بمنطقة أبو سليمان عجز الأجهزة التنفيذية التابعة لحكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن حماية السكان أو توفير بدائل آمنة قبل وقوع الانهيارات.
انتشال الضحايا وسط ركام عقار الترعة المردومة
وبناءً على البلاغات الواردة، انتقلت فرق الحماية المدنية إلى موقع انهيار العقار رقم 34 بشارع سعد زغلول المتفرع من شارع الترعة المردومة في نطاق حي شرق الإسكندرية.
وفي هذا السياق، تواصل قوات الإنقاذ جهودها للبحث عن مفقودين تحت الركام، بعد انتشال جثمان ثانٍ رفع حصيلة الضحايا إلى أربعة وفيات بجانب عدد من المصابين.
وعلاوة على ذلك، أسفرت عمليات البحث السابقة عن استخراج جثمان السيدة نعمة محمد علي العسكري البالغة من العمر 65 عاماً، والتي فارقت الحياة جراء انهيار الأسقف الخرسانية.
ومن ناحية أخرى، أظهرت المعاينات الميدانية أن المبنى المنهار يتكون من طابق أرضي وأربعة طوابق علوية، حيث كان الطابقان الأرضي والأول خاليين تماماً من السكان وقت الحادث.
وبالإضافة إلى ما سبق، أدى الانهيار المفاجئ إلى احتجاز أسرة مكونة من ثلاثة أفراد داخل الطابق الثالث، بينما تمكنت فرق الطوارئ من استخراج فردين منهم على قيد الحياة.
وبالتزامن مع تلك العمليات، فرضت الأجهزة الأمنية طوقاً مشدداً حول المنطقة المنكوبة، وأخلت المباني المجاورة فوراً خشية تعرضها للتصدع أو السقوط المتتالي نتيجة اهتزاز التربة.
وفي ظل هذه التطورات، يفترش عشرات الأهالي المتضررين الشوارع المحيطة بموقع الحادث دون مأوى بديل، وسط غياب خطط الإيواء العاجلة أو التعويضات الكافية من قبل المحافظة.
وتعليقاً على تلك المشاهد، يؤكد الدكتور سيف الدين فرج، أستاذ التخطيط العمراني، أن الاكتفاء بالتحرك بعد وقوع الكارثة يثبت غياب إستراتيجية الوقاية الهندسية لدى الإدارات المحلية بالمحافظة.
ويضيف أستاذ التخطيط العمراني أن ترك المواطنين داخل مبانٍ متهالكة دون تدخل هندسي مبكر أو توفير سكن بديل يحول الأحياء القديمة إلى مقابر جماعية تنتظر لحظة السقوط.
آلاف القرارات المعطلة تهدد حياة سكان المحافظة
ومن جهة أخرى، تضم محافظة الإسكندرية آلاف المباني القديمة التي صدرت بحقها قرارات إزالة أو ترميم منذ سنوات طويلة، لكنها ظلت حبيسة الأدراج داخل المكاتب الحكومية.
ونتيجة لذلك التقاعس، تتفاقم أزمة العقارات الآيلة للسقوط في أحياء شرق، والمنتزه، والجمرك، وغرب، حيث تتآكل الأساسات الخرسانية بفعل الرطوبة العالية وغياب الصيانة الدورية لشبكات الصرف.
وفضلاً عن ذلك، تتهرب اللجان الهندسية بالأحياء من متابعة تنفيذ قرارات الترميم الإلزامية، وتترك الملاك والمستأجرين في صراعات قانونية ومالية تنتهي غالباً بسقوط البناء فوق رؤوس قاطنيه.
وبالمثل، تفتقر المحافظة إلى صندوق تمويل حكومي فاعل يتولى ترميم العقارات التاريخية والقديمة، أو يدعم الأسر الفقيرة غير القادرة على تحمل التكاليف الباهظة لعمليات الإصلاح الإنشائي.
وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة مع قدوم فصول الشتاء والنوات البحرية، تغض الأجهزة الرقابية الطرف عن التصدعات الظاهرة في جدران المساكن الشعبية المكتظة بآلاف الأسر الكادحة.
وفي مقابل هذا الإهمال، توجه الحكومة المليارات نحو تشييد أبراج ومشروعات استثمارية فاخرة، بينما تحرم الأحياء الشعبية القديمة من الميزانيات الضرورية لتجديد البنية التحتية المتهالكة.
وفي هذا الصدد، يوضح المهندس محمد النجار، الخبير الهندسي والاستشاري المعماري، أن تراكم عشرات الآلاف من قرارات الإزالة دون تنفيذ يمثل تواطؤاً إدارياً يهدد الأمن السكاني بالمدينة.
ويشدد الاستشاري المعماري على أن السياسات العمرانية الحالية تهدر الموارد في مشروعات دعائية، وتتجاهل تأسيس قاعدة بيانات هندسية دقيقة تلزم المحافظة بإخلاء وتعويض سكان العقارات الخطرة فوراً.
الفساد المحلي وتجاهل أولويات الأمان السكاني بالمحافظات
وإلى جانب الإهمال الهندسي، تبرز ظاهرة البناء المخالف والتعلية العشوائية للأدوار كأحد أبرز الأسباب التي عجلت بانهيار مئات المباني في الإسكندرية خلال السنوات القليلة الماضية.
فمنذ سنوات، سمحت شبكات الفساد داخل المحليات للمقاولين بإضافة طوابق غير مرخصة فوق عقارات قديمة لا تتحمل أساستها الأحمال الإضافية، دون أي التزام بالمعايير الهندسية السليمة.
وبدلاً من محاسبة المسؤولين المتورطين في تمرير تلك المخالفات، تكتفي السلطات بتحميل المسؤولية الجنائية لصغار الموظفين أو الملاك بعد كل حادثة سقوط تودي بحياة الأبرياء.
وكذلك، تسببت قوانين التصالح في مخالفات البناء في تقنين أوضاع إنشائية هشة مقابل تحصيل أموال لصالح الخزانة العامة، دون إجراء فحص فني صارم يضمن سلامة المباني المتصالحة.
وعلاوة على تلك السياسات، أدى الارتفاع القياسي في أسعار مواد البناء كالحديد والأسمنت إلى عجز الأهالي تماماً عن إجراء أي صيانة ذاتية لمنازلهم المتصدعة في المناطق الفقيرة.
وبالتالي، يجد المواطن السكندري نفسه محاصراً بين غلاء المعيشة الفاحش وعجزه عن استئجار مسكن آمن، مما يضطره للبقاء مع أسرته تحت أسقف متآكلة تهدد حياتهم في كل لحظة.
وفي المقابل، تغيب الرؤية التشريعية والتنفيذية الشاملة لمعالجة ملف الإسكان الشعبي، حيث تتعامل الوزارات المعنية مع الكوارث العمرانية كحوادث فردية عابرة تنتهي بإغلاق المحاضر الرسمية.
وحول هذه الأزمة، يرى الدكتور عبدالعظيم الحمادي، خبير الإدارة المحلية والتنمية العمرانية، أن استمرار تساقط العقارات يعود لتفشي الفساد الإداري وغياب الرقابة الحقيقية على إدارات التنظيم بالأحياء.
ويؤكد خبير الإدارة المحلية أن تحصيل الجبايات عبر قوانين التصالح دون معالجة السلامة الإنشائية يثبت أن الحكومة تضع جمع الأموال فوق حق المواطن الدستوري في السكن الآمن والحياة.
وخلاصة القول، تظل دماء ضحايا عقار الترعة المردومة شاهدة على فشل السياسات الحكومية في إدارة الملف العمراني بالإسكندرية، وسط ترقب الأهالي لكارثة جديدة في ظل بقاء آلاف المباني المتصدعة.

