تشهد الساحة الليبية في الآونة الأخيرة تطورات أمنية وسياسية متسارعة تنذر بتعقيد المشهد الميداني في البلاد، وسط حوادث عسكرية دامية في الغرب وتحركات استخباراتية مثيرة للجدل في الشرق الليبي.

 

وتتصاعد المخاوف الشعبية والسياسية إثر تقاطع هذه الأحداث الميدانية الدامية مع ترتيبات سرية مشبوهة، تهدف إلى إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية عبر بوابة التطبيع، مما يهدد استقرار المنطقة وأمنها القومي بشكل مباشر.

 

 

تفاصيل انفجار معسكر مدينة الزاوية

 

ومن جهة الميدان العسكري، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ الليبي رسميا عن مقتل 9 أشخاص، وذلك جراء انفجار قذائف هاون وقع خلال تدريبات عسكرية داخل معسكر بمدينة الزاوية الواقعة غرب البلاد.

 

وفي سياق متصل، ذكرت وسائل إعلام ليبية محلية أن هذا الانفجار العنيف وقع أثناء إجراء تدريبات عسكرية روتينية، وذلك داخل معسكر يقع تحديدا في منطقة الحرشة بمدينة الزاوية غربي العاصمة.

 

وعلاوة على ذلك، أفادت تقارير إعلامية ليبية بأن الانفجار الذي هز المعسكر خلال التدريبات، قد أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف العسكريين الموجودين بالموقع، وسط حالة من الارتباك الشديد.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، لم تتضح على الفور الحصيلة التفصيلية النهائية لأعداد الوفيات والإصابات الناتجة عن الحادث، نظرا لسرعة تلاحق التطورات الميدانية داخل المعسكر المنكوب عقب وقوع الانفجار مباشرة.

 

ومن ناحية أخرى، لم تتكشف حتى هذه اللحظة الأسباب المباشرة التي أدت إلى انفجار قذيفة الهاون، وما إذا كان الأمر ناجما عن خلل فني طارئ أو ملابسات أخرى أثناء التدريبات.

 

وفضلا عن ذلك، غابت التفاصيل الرسمية الدقيقة بشأن طبيعة الإصابات المسجلة أو الحالة الصحية للمصابين الذين تم نقلهم من موقع الحادث، وسط تكتم نسبي من الجهات العسكرية المشرفة على المعسكر.

 

وجدير بالذكر أن هذا الحادث الأليم يأتي في مدينة الزاوية الواقعة غرب العاصمة طرابلس، وهي منطقة تشهد بين الحين والآخر حوادث أمنية متكررة ترتبط ارتباطا وثيقا بتعقيدات الوضع الميداني القائم.

 

كما تعاني تلك المنطقة الحيوية من ظاهرة انتشار الأسلحة العشوائية ومخلفات الحرب السابقة، الأمر الذي يضاعف من حجم المخاطر الأمنية التي تهدد حياة العسكريين والمدنيين على حد سواء في الغرب.

 

وبناء على ذلك، تبقى نتائج التحقيقات الفنية والأمنية الجارية حاليا ضرورية للغاية، وذلك من أجل تحديد الأسباب الحقيقية للانفجار وتسمية المسؤوليات المباشرة المرتبطة بوقوع هذه الكارثة العسكرية داخل منطقة الحرشة.

 

 

تحركات مشبوهة واجتماعات سرية بسرت

 

وعلى صعيد آخر، يشهد شرق ليبيا في الأيام الأخيرة تحركات مقلقة وتطورات لافتة للنظر، تثير العديد من التساؤلات المشروعة بشأن خلفياتها الخفية وتداعياتها المحتملة على مجمل الأوضاع في البلاد.

 

وبالتزامن مع تلك التطورات، تزداد المخاوف من تأثيرات هذه التحركات الشرقية على التوازنات الجيوسياسية الدقيقة في المنطقة، وما قد تحمله في طياتها من تهديدات خطيرة تمس أمن ليبيا واستقرارها المستقبلي.

 

وفي هذا الإطار، أفادت مصادر إعلامية محلية متطابقة بأن مدينة سرت الليبية تحتضن على مدار يومين، اجتماعا أمنيا واستخباراتيا رفيع المستوى تشارك فيه قيادات ليبية بارزة إلى جانب شخصيات دولية.

 

ولعل أبرز ما يثير الجدل الواسع في قائمة المشاركين بهذا الحدث الذي لم يعلن عنه رسميا، هو وجود الحاخام الإسرائيلي ديفيد روزن ضمن الوفود الحاضرة في مدينة سرت الليبية.

 

ومما لا شك فيه أن حضور هذه الشخصية الإسرائيلية يؤكد صحة المعلومات المتداولة مؤخرا، والتي تتحدث باستمرار عن وجود مساع حثيثة للتطبيع بين قوات خليفة حفتر والكيان الإسرائيلي خلال الفترة الحالية.

 

وبالعودة إلى تفاصيل الحدث الأمني الذي تحتضنه مدينة سرت، يتبين أنه يشارك فيه بصفة رئيسية القائد العام للقوات العسكرية التابعة لما يعرف بحكومة شرق ليبيا، وهو صدام نجل خليفة حفتر.

 

ويأتي هذا الاجتماع شبه السري بعد مرور أيام قليلة على عودة صدام حفتر من المملكة المغربية، التي توصف بأنها عراب التطبيع في المنطقة المغاربية، مما يثير الشكوك حول توقيت اللقاء.

 

ومن ثم، تفتح هذه التحركات المتلاحقة باب التساؤلات الواسعة حول وجود خطوات جادة من جانب خليفة حفتر، لاستكمال مسار التطبيع العلني الذي ظهرت ملامحه الأولى منذ سنوات عبر قنوات خلفية.

 

 

ديفيد روزن ومسار التطبيع مع حفتر

 

وفيما يتعلق بهوية الضيف الإسرائيلي، يعتبر الحاخام ديفيد روزن أحد أبرز الشخصيات الدينية الإسرائيلية واليهودية الدولية الفاعلة في مجال الدبلوماسية الدينية وحوار الأديان، وله باع طويل في التحركات السياسية.

 

كما ساهم ديفيد روزن بشكل مباشر وفعال في التمهيد ودعم مسار التطبيع الرسمي، الذي جرى توقيعه بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والإسلامية خلال السنوات القليلة الماضية تحت مسميات مختلفة.

 

واستكمالا لهذا الدور، استخدم روزن غطاء حوار الأديان لتأسيس اتصالات مبكرة ومباشرة مع حكومات ومؤسسات دينية في العالم العربي، مستغلا صفته الدينية لاختراق العديد من الأوساط الرسمية والشعبية بالمنطقة.

 

ولهذا السبب، اعتبرت الدوائر السياسية تحركات روزن بمثابة دبلوماسية المسار الثاني، التي مهدت الأجواء سياسيا ونفسيا لتوقيع الاتفاقيات الإبراهيمية المثيرة للجدل وما تلاها من خطوات تطبيعية متسارعة في الإقليم.

 

وعقب توقيع اتفاقيات أبراهام رسميا، جرى تعيين ديفيد روزن مستشارا خاصا لشؤون حوار الأديان لمجمع بيت العائلة الإبراهيمية في أبوظبي، لمواصلة دوره في دمج الكيان الإسرائيلي داخل النسيج العربي.

 

ومنذ ذلك الحين، شارك الحاخام الإسرائيلي بنشاط ملحوظ في ترسيخ البعد الديني والاجتماعي لتلك الاتفاقيات التطبيعية، ساعيا إلى توسيع دائرة الدول المنخرطة في هذا المسار لتشمل أطرافا إقليمية جديدة.

 

وبالرجوع إلى الخلفيات التاريخية، ففي سنة 2021 نشرت صحيفة هآرتس العبرية تقريرا مهما، أوضحت فيه أن صدام نجل اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، أجرى زيارة سرية خاطفة إلى مدينة تل أبيب.

 

ووفقا لما أوردته الصحيفة العبرية آنذاك، هدفت تلك الزيارة السرية إلى نقل رسالة خاصة من والده خليفة حفتر، يطلب فيها الحصول على مساعدة عسكرية وسياسية إسرائيلية عاجلة لدعم موقفه.

 

وفي مقابل ذلك الدعم المطلوب، عرضت الرسالة إقامة علاقات دبلوماسية كاملة في المستقبل بين ليبيا وإسرائيل، في خطوة تعكس استعداد معسكر الشرق لتقديم تنازلات سيادية كبرى لتحقيق مكاسب عسكرية.

 

وأخيرا، وبحسب ما أكدته صحيفة هآرتس في تقاريرها، فقد جرت اتصالات سرية متكررة بين خليفة حفتر وشخصيات رفيعة من جهاز الموساد في الماضي، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل حولها.