تلتهم موجات التضخم المتلاحقة ما تبقى من قدرة ملايين الأسر المصرية على توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية، بعدما امتد لهيب الأسعار ليطال اللحوم المجمدة والمستوردة التي شكلت لسنوات ملاذاً أخيراً لمحدودي ومتوسطي الدخل أمام جنون أسعار اللحوم البلدية.
وعلاوة على ذلك، يتراوح سعر كيلو اللحوم الكندوز في محال الجزارة حالياً بين 400 و500 جنيه، بينما قفزت أسعار اللحوم المجمدة لتسجل 320 جنيهاً للكيلو بدلاً من 300 جنيه، وصعد سعر كيلو المفروم المجمد ليصل إلى 300 جنيه.
اللحوم المجمدة تتحول لعبء مالي
وفي هذا السياق، اعتادت شرائح واسعة من المواطنين خلال السنوات الماضية اللجوء إلى اللحوم المجمدة باعتبارها البديل الاقتصادي الوحيد المتاح لتوفير البروتين الحيواني على موائدهم، ولو لمرة واحدة شهرياً أو خلال المواسم والمناسبات الاجتماعية المختلفة.
إلا أن القفزات السعرية الأخيرة أطاحت بهذا البديل من حسابات آلاف الأسر، حيث لم تعد الدخول الشهرية قادرة على استيعاب الزيادات المستمرة في تكاليف المعيشة، مما جعل شراء كيلو واحد من اللحم المجمد عبئاً مالياً يفوق طاقة الفقراء.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور عبد التواب بركات، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، أن السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة أدت إلى تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الاستيراد، مما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء وحرم المواطن من أبسط حقوقه في البروتين.
اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول
ومن ناحية أخرى، تتسع الهوة يومياً بين مستويات الأسعار السائدة في الأسواق وبين متوسط الأجور والدخول الحقيقية للمواطنين، وهو ما فرض تغييرات قسرية على أنماط الاستهلاك الغذائي داخل البيوت المصرية التي باتت تعاني من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة.
ونتيجة لذلك، تضطر أغلب الأسر إلى تقليص الكميات المشتراة إلى الحدود الدنيا أو الاستغناء التام عن اللحوم لفترات طويلة، والبحث عن بدائل أقل تكلفة مثل البقوليات، بعد أن طالت موجات الغلاء أسعار الدواجن والأسماك أيضاً في الأسواق.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، أن غياب الرقابة الفعالة على الأسواق والاعتماد المفرط على الاستيراد دون بناء قاعدة إنتاجية محلية حقيقية، فاقم من تآكل القوة الشرائية وجعل الأسر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والمحلية.
عجز المنافذ الحكومية أمام التضخم
وعلى صعيد متصل، تستمر المنافذ الحكومية في طرح كميات من اللحوم المستوردة والمجمدة بأسعار تقل نسبياً عن مثيلاتها في الأسواق الحرة، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة وتهدئة الشارع الذي يئن تحت وطأة الغلاء المتواصل في كافة السلع.
بيد أن هذا الفارق السعري المحدود لم يعد كافياً لإنقاذ الأسر التي تآكلت مدخراتها ودخولها بفعل التضخم الجامح، وارتفاع فواتير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومواصلات، مما جعل الأسعار المخفضة نفسها بعيدة عن متناول الفئات الأكثر احتياجاً.
وبدوره، يشير الدكتور رائد سلامة، الباحث في الاقتصاد السياسي، إلى أن المعالجات المؤقتة عبر المنافذ التموينية لا تعالج جذور الأزمة الهيكلية، طالما استمرت السياسات الانكماشية التي تضغط على مستوى معيشة المواطن وتزيد من معدلات الفقر الغذائي.

