تعيش عنابر سجن بدر 3 غلياناً غير مسبوق إثر دخول المحتجزين في إضراب شامل عن الطعام تجاوز 7 أيام متواصلة، رافضين الخضوع لسياسات التنكيل الممنهج والتجريد القسري التي تمارسها الأجهزة الأمنية لحصار حراكهم الاحتجاجي المتصاعد خلف القضبان.

 

وعلاوة على هذا التدهور الصحي المتسارع، تدفقت رسائل استغاثة عاجلة من داخل الزنازين المغلقة تحذر من هلاك محقق تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي، مؤكدة أن المنشأة تحولت فعلياً إلى نسخة مستحدثة من مقبرة العقرب القديمة سيئة السمعة.

 

 

معركة الأمعاء الخاوية تسحق المعتقلين

 

إذ دخل المحتجزون في معركة مصيرية ضد إدارة السجن بعد حرمانهم من أبسط متطلبات الحياة الآدمية، متسلحين بجوعهم المفتوح لكسر الصمت المطبق على مأساتهم اليومية في ظل غياب الرقابة المستقلة والمحاسبة القانونية داخل مراكز الاحتجاز المصرية.

 

ومن هذا المنطلق، يؤكد مدير الجبهة المصرية لحقوق الإنسان كريم عنارة، الباحث في علم الاجتماع الجنائي والعدالة الجنائية، أن الإضراب الجماعي عن الطعام يمثل الملاذ الرمزي الأخير الذي يملكه السجناء لمواجهة بنية الإخضاع العقابي الصارم.

 

وبالإضافة إلى هذه المعطيات المتراكمة، تسارعت حالات الإغماء والانهيار الوظيفي لأعضاء حيوية بين المضربين المصابين بأمراض مزمنة، بينما تصر الإدارة على حرمانهم من الأدوية الضرورية والرعاية الطبية العاجلة لكسر إرادتهم قسراً ودون أي اكتراث للمواثيق الإنسانية.

 

وبناءً على هذه الأوضاع المتدهورة، فرضت القوات عزلاً تفكيكياً كاملاً طال نحو 20 معتقلاً منذ مطلع شهر أكتوبر الجاري، حيث جردتهم الحراسة من ملابسهم وأغطيتهم بصورة مهينة تسببت في إنهاك أجسادهم الخاوية وسط برودة الزنازين الخرسانية.

 

وفي سياق هذه الممارسات الوحشية، امتنعت إدارة السجن عن نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات الخارجية، مكتفية باحتجازهم في عنابر مظلمة تفتقر إلى التهوية والمياه الصالحة للشرب بهدف إرغامهم على إنهاء خطواتهم الاحتجاجية بالقوة الجبرية والملاحقة العقابية.

 

وعلى نحو شديد الخطورة، واصلت الأجهزة احتجاز المئات دون محاكمات عادلة، مستندة إلى قرارات تجديد الحبس الاحتياطي التي يصفها باحثو القانون بالإجراءات العقابية المسبقة الموجهة لقمع الأصوات المعارضة وتحويل مقار التوقيف إلى أدوات تصفية معنوية وبدنية.

 

ومن ثم، تصاعدت التحذيرات الشعبية والحقوقية من موت بطيء يهدد حياة المضربين، خاصة مع تعنت الضباط في الاستجابة للمطالب الأساسية واستمرار حبس المضربين انفرادياً في غرف خالية من أي أدوات معيشية تحفظ الكرامة الإنسانية الدنيا.

 

وبالتالي، تتجه الأوضاع نحو انفجار حتمي داخل السجون إن استمر التجاهل الأمني المتعمد لرسائل الاستغاثة، حيث يدفع المئات ثمن مواقفهم السياسية في مراكز تأهيل وتدريب لا تطبق معايير التأهيل إلا عبر لوائح التضييق والتنكيل.

 

 

قمع ممنهج بإشراف الأمن الوطني

 

وعلى خلفية هذا التصعيد، قاد ضابط الأمن الوطني ورئيس المباحث الجديد حملات تفتيش ليلية مباغتة، تخللها الاعتداء بالضرب والسب ومصادرة المقتنيات الشخصية لترهيب السجناء وإجبارهم على إنهاء اعتصامهم السلمي والتراجع عن مطالبهم المعيشية العادلة.

 

ومن جهته، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس الدكتور رامي شعث، المنسق السابق لحركة مقاطعة إسرائيل، أن إحكام ضباط جهاز الأمن الوطني لقبضتهم المباشرة على إدارة السجون يسقط أي طابع إداري أو مدني عن المنظومة الاحتجازية.

 

وفي ضوء هذه الشهادات الصادمة، هددت الإدارة المعتقلين بالنقل التأديبي إلى سجون نائية شديدة القراوة والحراسة، فضلاً عن التلويح الصريح بملاحقة واعتقال أفراد من عائلاتهم في حال تسريب أية استغاثات جديدة للرأي العام المحلي والدولي.

 

واستناداً إلى هذه التهديدات الأمنية، تقلصت فترات التريض اليومية إلى دقائق معدودة داخل أقفاص حديدية معتمة، بينما خضع المعتقلون لإجراءات التثبيت العازل التي تحظر التحدث بين النزلاء وتحرمهم من رؤية الشمس لأيام طويلة ومجهدة نفسياً.

 

وعلى صعيد ذي صلة، منعت السلطات الزيارات العائلية تماماً عن المضربين، تاركة مئات الأسر على بوابات السجن في قلق مرير على مصير أبنائهم دون تقديم أي إفادة رسمية حول سلامتهم الجسدية أو حالتهم الطبية المتدهورة باستمرار.

 

وترتيباً على هذا الحصار الميداني، باتت إدارة السجن توظف التفتيش المستمر كأداة للتعذيب الممنهج عبر بعثرة محتويات الزنازين وتجريد المحتجزين من أواني الطعام والكتب والأوراق، محولة الحياة اليومية إلى سلسلة متصلة من الضغوط النفسية المتصاعدة.

 

وبموازاة هذه الانتهاكات المستمرة، تواصل القيادات الأمنية استخدام التهديد بالحبس الانفرادي طويل الأمد ضد كل من يرفض الامتثال للقرارات التعسفية، في محاولة لإجهاض أي محاولة للتنسيق المشترك أو المطالبة بتحسين ظروف الاحتجاز المتردية.

 

وفي النتيجة، تؤكد الرسائل المهربة أن السجون تشهد تطبيق استراتيجية تهدف إلى تدمير البنية النفسية للمحتجزين، حيث تسعى إدارة المرفق لتفريغ السجن من أي مظهر للتواصل البشري وإخضاع المحتجزين لرقابة تقنية مشددة على مدار الساعة.

 

 

لهيب الاحتجاج يجتاح غرف الحبس

 

وفي تطور لاحق ومفاجئ، امتدت الاحتجاجات لتشمل سجون بدر 1 ووادي النطرون والمنيا، حيث انخرط المعتقلون في حراك أكتوبر البداية عبر الامتناع الجماعي عن تسلم الجرايات الغذائية وملازمة الهتاف الاحتجاجي الموحد داخل العنابر لكسر التعتيم.

 

وفي هذا السياق، يبين الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن أن حركة التضامن بين السجون تعبر عن بلوغ الضغط المفروض حداً يعجز المحتجزون عن تحمله، مما يحول الاحتجاج الفردي إلى وعي جماعي منظم.

 

وبالنظر إلى هذا الامتداد التضامني الواسع، سارعت قوات الأمن المشتركة إلى اقتحام الزنازين في وادي النطرون والمنيا، مستخدمة القنابل المسيلة للدموع والهراوات لإسكات الهتافات بالقوة الجبرية، مع تنفيذ حملات تفتيش قمعية لم تستثنِ عنبراً واحداً.

 

وبحسب تقرير مؤسسة جوار لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 2 أكتوبر، اتخذت السلطات تدابير انتقامية قاسية ضد المحتجين، حيث قطعت القوات التيار الكهربائي وإمدادات المياه بشكل كامل عن العنابر لإجبار المعتقلين على الرضوخ وإنهاء التمرد.

 

وإزاء هذه الوقائع الدامية والموثقة، يلتزم مسؤولو وزارة الداخلية صمتاً تاماً دون إصدار أي بيان لتوضيح حقيقة ما يجري خلف الأسوار العالية، متجاهلين التحذيرات الصادرة عن المنظمات الإنسانية التي تدعو لفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات.

 

وفضلاً عن قطع المرافق الأساسية، تركت إدارة السجون المعتقلين في ظلام دامس وسط درجات حرارة خانقة، مما ضاعف من معاناة المصابين بالأمراض الصدرية والجلدية في بيئة تفتقر إلى أدنى شروط النظافة والرعاية الصحية اللازمة.

 

وعلى ضوء هذه الهجمة الانتقامية، تعكس سياسات التجويع والترهيب الممارسة داخل مرافق الاحتجاز رغبة حقيقية من رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي في إخماد أي حراك سلمي، وتحويل السجون إلى ساحات مغلقة لتصفية الحسابات السياسية بعيداً عن العدالة.

 

وإدراكاً لحجم الخطر القائم، توجه الأسر نداءات استغاثة عاجلة للهيئات الأممية للتدخل السريع وإنقاذ المعتقلين من موت وشيك، مؤكدين أن حياة ذويهم باتت معلقة بقرار عاجل ينهي الحصار الأمني ويسمح للجان الطبية المستقلة بزيارة السجون.