تنتزع هيئة التعمير والتنمية الزراعية مقدرات آلاف الخريجين في قرى بنجر السكر والحمام بمراقبة طيبة، بعدما أغلقت منافذ التحصيل عمداً أمام سداد المستحقات المالية المتأخرة، ملوحة بتجريد المزارعين من أراضيهم ومنازلهم بصورة مفاجئة وصادمة.

 

وتصطدم آمال المنتفعين بجدار الرفض الإداري المتعنت الذي يهدد استقرار أكثر من 32 عاماً من استصلاح الصحراء القاحلة وتحويلها إلى واحات خضراء، بعد أن تجاوزت أعمار هؤلاء الفلاحين حاجز 60 عاماً وباتوا مهددين بالتشرد.

 

بلدوزر الإخلاء تطارد مزارعي بنجر السكر


وعلى خلفية ذلك الإجراء، تعتزم الأجهزة التنفيذية استرداد 19124 قطعة من أراضي الدولة الزراعية وملاحقة 4.6 مليار جنيه كمتأخرات مالية، متجاهلة التضحيات التاريخية التي قدمها شباب الخريجين عبر عقود طويلة من العمل الشاق لتأمين الغذاء.

 

وبناء على تلك التطورات، يرى الدكتور عبد التواب بركات، الباحث في شؤون السياسات الزراعية والأمن الغذائي، أن مصادرة أراضي صغار المنتفعين تكرس نمط إدارة الجباية المالية السريعة على حساب التنمية الريفية المستدامة وتعمير الأراضي القاحلة.

 

فضلاً عن ذلك، يوضح الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد الزراعي أن الأجهزة البيروقراطية تتعامل مع مشروعات الاستصلاح كأصول عقارية مجردة قابلة للبيع الفوري، متناسية الأبعاد الديموغرافية والاجتماعية الخطيرة المترتبة على نزع ملكيات المجتمعات المستقرة منذ الثمانينيات.

 

إلى جانب ذلك، يعيش أهالي قرى النوبارية حالة من الهلع الشديد نتيجة إصرار مسؤولي الهيئة على غلق خزائن السداد ورفض التوريد المباشر، لدفع المزارعين نحو خانة التعثر الإجباري تمهيداً لانتزاع الأراضي وإعادة طرحها بالمزادات.

 

وفي سياق متصل، يشير المنتفعون إلى أن مسلك الجهات الحكومية يستهدف تفريغ القرى الزراعية المنتجة من قاطنيها الأصليين لصالح كبار المستثمرين، متجاهلين حقيقة أن تلك القرى تأسست بتمويل وجهد بشري خالص لا يقدر بثمن.

 

علاوة على ذلك، يرفض مسؤولو المراقبات الزراعية قبول الإيداعات المالية دون إبداء أي سند إداري واضح، مما يعكس توجهاً ممنهجاً يرمي إلى إحكام الحصار الاقتصادي حول الفلاحين وإجبارهم على إخلاء البيوت تحت وطأة التهديد الأمني.

 

ونتيجة لهذا التعنت، تجمهر ممثلو المزارعين أمام مقرات التعاونيات الزراعية في شهر سبتمبر لتقديم التماسات عاجلة تثبت استعدادهم الفوري لتحويل المبالغ المستحقة بالكامل، غير أن الأبواب الموصدة حالت دون توثيق عمليات التحصيل البنكي المقررة.

 

ومن هذا المنطلق، تتسع رقعة الاستياء الشعبي بين الأسر المقيمة في ريف الإسكندرية ومطروح، إذ أضحت أكثر من مائة ألف نسمة معرضة لفقدان المأوى ومصادر العيش في ظل صمت حكومي مريب يتجاهل نداءات الاستغاثة اليومية.

 

أكلاف الإنتاج تخنق ريف الحمام والنوبارية


في المقابل، تزامنت إجراءات المصادرة مع موجة تضخمية طاحنة بدأت منذ أزمة جائحة كورونا وما تلاها من ركود شامل، أسفر عن قفزات جنونية بأسعار الأسمدة الكيماوية والمبيدات والتقاوي داخل الأسواق المحلية الموازية بصورة غير مسبوقة.

 

تأسيساً على ذلك، يؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي واستصلاح الصحراء بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، أن اختلال سلاسل الإمداد ومضاعفة رسوم الطاقة ومياه الري الزراعي قضت تماماً على هوامش أرباح الفلاحين.

 

وبالموازاة مع ذلك، يبين الخبير الدولي في إدارة الأراضي أن تحميل صغار المزارعين أعباء الانهيار الاقتصادي يدمر العمود الفقري للإنتاج الزراعي، ويعمق أزمة استيراد الحبوب والسلع الأساسية بدلاً من تحفيز المساحات المزروعة على الاستمرار.

 

إضافة إلى ذلك، تعاني أسواق النوبارية من انهيار تسويقي فادح أدى لهبوط أسعار المحاصيل الاستراتيجية دون تكلفة الحصاد، مما اضطر آلاف الأسر إلى الاستدانة بفوائد مصرفية مركبة لمجرد الحفاظ على دوران عجلة الإنتاج اليومية.

 

ومن جراء ذلك، وجد الفلاحون أنفسهم محاصرين بين مطرقة ارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات التشغيل وسندات الأسمدة، وسندان الإدارة الحكومية التي ترفض جدولة المديونيات أو استقبال الدفعات الجزئية المتفق عليها في دفاتر المراقبات الزراعية المحلية.

 

وعلى نحو مواز، شهد شهر أكتوبر تفاقم أزمة تصريف محاصيل الخضراوات والفواكه في أسواق الجملة، ما كبد صغار المنتجين خسائر مالية جسيمة عجزوا معها عن ملاحقة الفوائد التصاعدية التي فرضتها دفاتر الحسابات الرسمية بالهيئة.

 

ومن زاوية أخرى، يؤكد المزارعون أن سياسات التسعير الجبرية المفروضة على المحاصيل التعاقدية لا تعكس التكلفة الواقعية لمدخلات الإنتاج، مما يستنزف مواردهم الذاتية ويحول مواسم الحصاد السنوية إلى كوابيس متكررة من تراكم الديون الثقيلة.

 

وبناء عليه، تعيش مجتمعات خريجي النوبارية أسوأ مراحل التراجع المعيشي، حيث تتداخل الأزمات المالية مع التهديدات الميدانية بنزع الحيازات، وسط غياب تام لآليات الدعم المباشر أو تعويض الفلاحين عن تقلبات المناخ والأسواق الحادة.

 

تجاوز المادة 56 يعصف بالاستقرار القانوني


في غضون ذلك، يتمسك المزارعون بالمسار التشريعي الملزم الذي تنص عليه صراحة المادة 56 من القانون 143 لسنة 1981، والمحددة لقواعد التعامل المالي عند التأخر عن سداد الأقساط عبر احتساب فوائد مصرفية تجارية عادلة.

 

وارتباطاً بتلك المعضلة، يوضح الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي والباحث في دراسات التنمية والعدالة الاجتماعية، أن تجاوز النصوص القانونية الصريحة لصالح قرارات لجان الحصر الإداري يعكس تغليب منطق الاستيلاء المالي على سيادة القانون الدستورية.

 

واستناداً إلى قراءته الاقتصادية، يشدد المدير الأسبق لمركز النيل للبحوث على أن تعطيل النصوص القانونية الآمرة يزعزع الثقة في العقود المبرمة مع أجهزة الدولة، ويدفع باتجاه تدمير السلم الاجتماعي في الريف والظهير الصحراوي المستصلح.

 

وبموجب هذا الإطار، يرفض الأهالي لجوء الهيئة إلى تحويل غرامات التأخير المصرفية المقررة تشريعياً إلى مسوغات باطلة لطرد العائلات وسلب المساكن، مؤكدين أن بنود التعاقد الأصلية تحمي استقرار الحائزين الملتزمين عبر أكثر من ثلاثة عقود.

 

وعلى هذا الصعيد، وجه ممثلو الجمعيات التعاونية خطابات عاجلة لمجلس الوزراء لمنح المزارعين مهلة نهائية قدرها 1 شهر فقط، معلنين التزامهم القاطع بتدبير كامل المبالغ المتأخرة والغرامات المترتبة عليها وفق الفائدة البنكية المعمول بها رسمياً.

 

في المقابل تماماً، تمضي جهات الإدارة في تجاهل نداءات الاستغاثة عبر توجيه إنذارات مجهولة التوقيت، متجاهلة تحذيرات الحقوقيين من اندلاع أزمات اجتماعية عاصفة تهدد استقرار آلاف الأسر المعيلة في محافظة البحيرة والإسكندرية ومطروح.

 

وبالنظر إلى هذا المشهد، تتصادم توجيهات رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي حول التوسع الزراعي، مع واقع ميداني يسحق الرواد الأوائل ممن أفنوا أعمارهم في تطويع رمال الصحراء الجرداء وبناء مجتمعاتها الريفية المنتجة لعقود متواصلة.

 

ومن ثم، تبقى قرى بنجر السكر والحمام شاهداً حياً على إخضاع مكتسبات التنمية الزراعية لمنطق التصفية الإدارية، ما لم تتراجع الهيئة عن قراراتها التعسفية وتفتح خزائنها لاستلام مستحقات الدولة دون إخلال بأمن المواطنين المستقرين.

 

وإزاء هذا الانسداد، يحذر المتضررون من أن تجريدهم من أراضيهم لا يمثل مجرد نزاع مالي محدود، بل هو اقتلاع متعمد لحياة كاملة شيدت بالجهد الشاق، وتحويل كبار السن من منتجين زراعيين إلى مشردين بلا مأوى.