فجرت التصريحات الصادرة عن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في 14 أكتوبر 2026 حول التمسك بالوثيقة الدستورية سجالاً عاصفاً، عقب إعلانه مغادرة سدة الحكم بحلول عام 2030، وسط تشكيك شعبي متصاعد في جدية التراجع عن مشاريع تأبيد السلطة القائمة.

 

وفي هذا السياق، تسارعت ردود الفعل الحزبية المتباينة فور ذيوع الموقف، إذ حاولت الدوائر الموالية تصوير الخطوة كشهادة استقرار مؤسسي، بينما رأى المناهضون للنهج الحالي في الإعلان مناورة مكشوفة لتهدئة الاحتقان المتراكم دون تقديم أي ضمانات تشريعية ملزمة.

 

 

استحقاق 2030 ومأزق التداول السلمي للسلطة

 

وانطلاقاً من ذلك، جزم الأكاديمي والباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عماد جاد، في تصريحات نشرتها منصة الحرية في 14 أكتوبر عند الساعة 9:00 مساءً، بأن حظر التلاعب بالنصوص الدستورية يفرض حتمية الامتناع عن الترشح لولاية جديدة.

 

وبناءً عليه، دعا أستاذ العلوم السياسية إلى تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تتولى تسيير شؤون الدولة، مشدداً على ضرورة تفعيل الفصل الحقيقي بين السلطات لإنهاء احتكار القرار التنفيذي وتفكيك البنية البيروقراطية المهيمنة على مفاصل الإدارة العامة في البلاد.

 

وعلاوة على ذلك، حذر المحامي بالنقض وعضو لجنة العفو طارق العوضي عبر المنصة ذاتها من اختزال الاستحقاق القادم في مجرد وعود شفهية، مؤكداً أن تهيئة المسار الديمقراطي مسؤولية جماعية تتطلب إلزام المؤسسات التنفيذية والأمنية بإنهاء الوصاية المفروضة.

 

ومن ثم، ألح الناشط الحقوقي على إشراك البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني ووسائل الإعلام في تفكيك القيود السائدة، لضمان صياغة مناخ انتخابي تعددي حقيقي ينهي ظاهرة الصوت الواحد التي صادرت الفضاء العام وجردت الممارسات التعددية من فاعليتها طوال السنوات الماضية.

 

وبالموازاة مع ذلك، تحفظ البرلماني إسلام قرطام في 15 أكتوبر عند الساعة 2:03 ظهراً على المنظومة التشريعية المعمول بها، مبيناً وجود اعتراضات جوهرية لدى حزب المحافظين لكون القوانين الحالية تعطل العدالة التنافسية وتكرس تهميش القوى السياسية الفاعلة.

 

استناداً إلى ذلك، ربط البرلماني الحزبي مصداقية أي تحول سياسي بإصدار حزمة تشريعات فورية تفعل مواد الحريات والمساواة، موضحاً أن غياب التوازن الفعلي بين السلطات يجعل الحديث عن التداول السلمي للدولة مجرد محاولة شكلية لتجميل المشهد الراهن.

 

غير أن الدوائر المؤيدة استنفرت أدواتها لصياغة خطاب مضاد، حيث اعتبر المتحدث باسم حزب حماة الوطن عمرو سليمان عبر موقع أهل مصر عند الساعة 8:42 مساءً أن ما طرحه عبد الفتاح السيسي يجسد التزاماً قاطعاً بالقانون وأحكام الدستور.

 

واتصالاً بذلك، واصل عضو مجلس الشيوخ عن الحزب ذاته هاني حليم تسويق الطرح الرسمي، معتبراً الإعلان تعبيراً عن احترام إرادة المواطنين، في مسعى واضح لتطويق المطالب المتصاعدة بفتح ملف التعديلات القانونية المؤجلة ورفع الحصار عن العمل المدني.

 

 

شروط المعارضة لتفكيك القبضة الأمنية المحكمة

 

وعلى النقيض تماماً، وضع البرلماني السابق والباحث السياسي المهندس هيثم الحريري محددات جذرية لاختبار النوايا، رافضاً الركون للتطمينات المجردة خلال تصريحات أدلى بها لمنصة الحرية في 15 أكتوبر عند الساعة 8:33 صباحاً بموقف قاطع وصريح.

 

إذ صرح الباحث المعارض بأن إنهاء ولاية عبد الفتاح السيسي بحلول عام 2030 يظل بلا قيمة حقيقية ما لم يقترن بتفكيك الممارسات الإقصائية، وإطلاق العنان للتيارات المناهضة لممارسة نشاطها الجماهيري دون ملاحقات بوليسية أو تضييق أمني متعمد.

 

فضلاً عن ذلك، قطع البرلماني السابق بضرورة إجراء استحقاقات تنافسية حقيقية تتكافأ فيها الفرص وتتخلص من أدوات الترهيب، معتبراً فتح المجال السياسي المؤشر الفاصل للحكم على جدية التخلي عن مقاعد السلطة واحترام التعهدات المعلنة أمام المجتمع.

 

ومن هذا المنطلق، تمسك القيادي العمالي بحق الشعب في انتزاع استحقاقاته المهدرة، مشدداً على أن التيارات المدنية لن تقبل بمجرد وعود مستقبلية، وأن الضمانة الوحيدة للتغيير تكمن في يقظة القوى الحية ورفضها الرضوخ لمحاولات تدجين الفضاء الحزبي.

 

وفي الاتجاه نفسه، حاولت النائبة سناء السعيد عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إبراز زاوية متفائلة، معتبرة الموقف دفعة لإحياء الالتزام بالحقوق والحريات، رغم إدراكها أن البنية القانونية القائمة تفرض قيوداً باهظة تحرم الأحزاب من التواصل الطبيعي مع الشارع.

 

وعلى صعيد متصل، نبه باحثون مستقلون إلى أن الاحتفاء بالوعود يتغافل عن الوقائع الميدانية، حيث تلجأ السلطة دورياً لإظهار مرونة خطابية لامتصاص الاحتقان المعيشي، قبل أن تعاود تضييق الخناق على أي حراك مجتمعي أو حزبي مستقل.

 

وبالإضافة إلى ذلك، رأى المستشار القانوني والبرلماني السابق مرتضى منصور في 15 أكتوبر عند الساعة 1:14 ظهراً عبر موقع مصر تايمز أن الامتناع عن المساس بالدستور يفسح المجال لاختيار قيادة جديدة للبلاد عقب استكمال المدة المحددة.

 

بيد أن، أوساطاً قانونية مستقلة سجلت أن تلك الطروحات تسعى لاختزال المعركة في المسار الشكلي، متجاهلة غياب المناخ الديمقراطي الذي يسمح بفرز بدائل سياسية حقيقية قادرة على خوض غمار منافسة نزيهة في مواجهة آلة الحكم القائمة.

 

 

سقوط الضمانات الدستورية وتأميم الاستحقاقات الاجتماعية

 

وعلى خلفية التجارب التشريعية السابقة، خاضت الصيدلانية والكاتبة السياسية والقيادية بالحزب الاشتراكي المصري الدكتورة كريمة الحفناوي مواجهة حاسمة عبر مقالها المعنون الدستور بين التعديل والتفعيل، المنشور بمنصة الحرية في 15 أكتوبر عند الساعة 12:49 ظهراً.

 

وحيث بينت القيادية الاشتراكية أن هندسة تعديلات عام 2019 أجهزت على الضمانات التأسيسية لوثيقة عام 2014، مبرزة أن التشريعات الأمنية اللاحقة صادرت الحقوق النقابية والمدنية، وجعلت الحمايات الدستورية بنوداً معطلة تفتقر إلى أي ترجمة عملية على أرض الواقع.

 

إلى جانب ذلك، وثقت الباحثة السياسية تراجع الالتزامات الاجتماعية للدولة، مبينة أن مخصصات قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي في موازنة 2026-2027 انحدرت دون النسب الإلزامية المقررة بالدستور، ما فاقم التردي الخدمي وأثقل كاهل الفئات الشعبية الكادحة.

 

وتأكيداً لخطاب المواجهة، جددت الكاتبة اليسارية عبر تقرير موقع فكر تاني للصحفية صفاء عصام الدين في 15 أكتوبر استدعاء قاعدة المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، معربة عن تشككها العميق في تعهدات عبد الفتاح السيسي بشأن عدم مد الولاية.

 

وفي السياق ذاته، استعاد التقرير الاستقصائي حملات الحشد الترويجي المصطنعة، كحملة حتى 2050 التي أطلقتها أذرع إعلامية مقربة لتسويق البقاء الأبدي في الحكم، كدليل تاريخي على قابلية الخطاب الرسمي للانقلاب المفاجئ على نصوص الدستور عند أول منعطف ملائم.

 

ولذلك، يرى فقهاء القانون أن التصريحات المجردة لا تمنع أغلبيات البرلمان الموالية من المبادرة إلى صياغة تعديلات التفافية جديدة، تماماً كما حدث في سابقة عام 2019، لإعادة تدوير البقاء في السلطة وتجاوز القيود الزمنية المنصوص عليها قانوناً.

 

ونتيجة لذلك، تجمع التيارات الديمقراطية على أن التعهدات تظل بلا وزن فعلي ما دامت الزنازين ممتلئة بسجناء الرأي، وما زالت قرارات الحبس الاحتياطي تستخدم كسلاح لقمع المعارضين، وحرمان المجتمع من أي صوت مدني حر يناقش السياسات القائمة.

 

تأسيساً على ذلك، تترابط معركة الوثيقة الدستورية بصورة وثيقة مع نضال الفئات المسحوقة لاسترداد مخصصات الصحة والتعليم المنهوبة، ومجابهة سياسات التفقير التي عصفت بالطبقة الوسطى، وفرض تبييض السجون من المعتقلين السياسيين دون أي مساومة أو قيد مشروط.

 

وختاماً لهذا المسار، يتحدد مصير محطة عام 2030 بقدرة الجماهير وقواها الواعية على كسر جدار الخوف وفرض شروط التغيير الحقيقي، بدلاً من التعلق بوعود سلطوية مؤقتة أثبتت الوقائع المتعاقبة أنها تتلاشى بمجرد تغير موازين القوى على الأرض.