تنسف توصية هيئة مفوضي الدولة الأسس القانونية التي استندت إليها وزارة العمل المصرية في حظر سفر النساء، بعدما اعتبر التقرير القضائي الإداري الإجراء الحكومي مصادرة غير دستورية للحقوق اللصيقة بالمواطنة والكرامة الإنسانية، وتعدياً على الحريات العامة.
وتصطدم القرارات التنفيذية التي فرضتها الوزارة بعاصفة من الرفض الحقوقي والقانوني، حيث جردت العاملات من حقوقهن الطبيعية في العمل والتنقل، وفرضت وصاية إدارية تحت لافتات الحماية التي تعيد إنتاج التمييز الصريح ضد المرأة في سوق العمل.
نسف التمييز وتعرية السند الدستوري
وتوضح هيئة مفوضي الدولة في تقريرها القضائي أن القرار يمثل إخلالاً فادحاً بالوثيقة الدستورية، إذ عطل صراحة أحكام المادتين 11 و53 اللتين تلزمان الدولة بضمان المساواة الكاملة بين الجنسين وتجرمان كل أشكال التفرقة القائمة على النوع.
فضلاً عن ذلك، أكدت الهيئة أن السلوك الإداري خرق المادتين 5 و53 من قانون العمل، اللتين تمنعان حرمان الإناث من فرص العمل المتكافئة، وتفرضان على الجهات التنفيذية مساواة حقيقية بدلاً من فرض حواجز إدارية قسرية تهدر الحقوق.
وفي هذا السياق، يشدد الدكتور رأفت فودة، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة، على أن الإدارة مارست سلطة تحكمية لا تجد لها أصلاً في التشريع، عبر تقييد حرية التنقل واختيار المهنة بقرارات وزارية مجردة من الشرعية.
ويضيف الدكتور فودة مبيناً أن الحماية القانونية لا تعني حرمان المواطنين من حقوقهم الدستورية، بل تفرض تمكينهم وتوفير بيئة عمل آمنة، بينما استسهلت الجهة الإدارية اللجوء إلى المنع الشامل الذي يمثل عقاباً جماعياً غير مبرر للباحثات عن الرزق.
ومن جهة أخرى، دحض تقرير المفوضين ذريعة الحفاظ على الكرامة، مؤكداً أن كفالة الحقوق لا تتأتى بإحداث تفرقة غير موضوعية تحرم النساء من العمل بالخارج، بل بالالتزام بالقواعد الآمرة التي توفر تكافؤ الفرص في بيئة عمل عادلة.
وبناءً على ذلك، اعتبرت الهيئة التوجيه الصادر قراراً إدارياً مكتملاً وقابلاً للإلغاء القضائي، لكونه رتب آثاراً مباشرة صادرت خيارات آلاف الأسر، مما جعله تجاوزاً جسيماً للسلطة واعتداءً على مبدأ سيادة القانون الذي يحكم تصرفات أجهزة الدولة.
إلى جانب ذلك، حسم التقرير الطبيعة الإدارية للقرار المطعون فيه، رافضاً محاولات تصويره كمجرد توجيه إرشادي عابر، إذ تجسد في قيود ملموسة في المطارات والمنافذ البرية والجوية حالت دون ممارسة المواطنات لحقهن الدستوري في السفر والعمل.
وعليه يمثل تقرير المفوضين خطوة جوهرية لتثبيت رقابة القضاء الإداري على القرارات المنحرفة عن الصالح العام، إذ يضع السلطة التنفيذية في مواجهة حتمية مع التزاماتها الدستورية وقواعد المساواة الصارمة التي لا تقبل أي استثناء وظيفي.
تستر حكومي وراء حماية زائفة
وتعود جذور الأزمة إلى قرار أصدرته وزارة العمل في 1 أبريل الماضي، حين قضت بمنع العاملات المصريات من السفر للعمل في المهن المنزلية والكافيهات والمقاهي، بدعوى حمايتهن من الاستغلال والاتجار بالبشر دون تقديم حيثيات معلنة.
واستندت الوزارة في ذلك الإجراء التمييزي إلى تقارير غامضة أحالها مكتب التمثيل العمالي بالعاصمة السعودية الرياض، دون أن تعلن للرأي العام تفاصيل تلك الوقائع أو تثبت عجز الآليات الدبلوماسية عن توفير الحماية الفعلية للمواطنات المغتربات.
وفي تعليقها على ذلك، ترى الدكتورة مها أحمد، أستاذة التشريعات الاجتماعية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، أن الهروب إلى المنع الإداري يبرهن على قصور أدوات التفاوض لدى الوزارة، ويحمل العاملات كلفة إخفاق أجهزة العمل في صياغة اتفاقيات ثنائية ملزمة.
وتؤكد الباحثة الأكاديمية أن حماية الكرامة تتحقق بفرض الرقابة المباشرة على عقود التشغيل ومحاسبة السماسرة المتورطين في الاتجار بالبشر، وليس بتجريد المواطنات من فرص الرزق المشروعة وتحويل حقهن في العمل إلى جريمة تستوجب المنع الجبري.
واستجابة لهذه التجاوزات، تحركت المسارات القضائية لكسر هذا التمييز، حيث بادر المحامي هاني سامح برفع دعوى عاجلة أمام محكمة القضاء الإداري وكيلاً عن متضررة، مطالباً بوقف تنفيذ وإلغاء القرار لمخالفته الصريحة لمبادئ الشرعية الدستورية وحرية التنقل.
وبناءً عليه قررت محكمة القضاء الإداري تأجيل نظر الطعن إلى جلسة 17 أكتوبر الجاري، لتمكين الدفاع من تقديم المذكرات الختامية ودراسة تقرير هيئة المفوضين الذي وضع حداً لمحاولات الالتفاف على النصوص الدستورية الملزمة للمؤسسات التنفيذية.
وتترقب الدوائر العمالية هذه الجلسة باهتمام بالغ، إذ يمثل الحكم المنتظر سابقة حاسمة تلجم النزعات البيروقراطية التي تسعى لاحتكار تحديد الوظائف المتاحة للنساء، وتؤسس لمرحلة تحظر فرض القيود الوظيفية خارج الأطر القضائية والقوانين العامة المستقرة.
وفي ظل هذا التعنت، تؤكد الوقائع أن التذرع بحماية الكرامة تحول إلى وسيلة لحصار الطبقات الأكثر هشاشة، بينما تغض الأجهزة المعنية الطرف عن معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع النساء لخوض تجارب عمل قاسية لتأمين معيشة أسرهن.
أزمة معيشية وحصار حقوقي للمرأة
وبالتوازي مع التحرك القضائي، شنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية هجوماً مدوياً ضد القرار، مطالبة بإلغائه الفوري لتصادمه مع الحقوق الأساسية للمصريات في العمل والتنقل، ومعتبرة إياه تجسيداً لسياسات التمييز التي تقيد حرية النساء في السعي والرزق.
وشددت المبادرة في بيانها على التناقض الصارخ للسياسات الحكومية، فبينما تؤدي السياسات الاقتصادية غير الرشيدة إلى خنق فرص العمل المتاحة للنساء بالداخل، تلاحقهن أجهزة الدولة بالحظر والاشتراطات التمييزية عند سعيهن لتحسين ظروف حياتهن وحياة أسرهن بالخارج.
ومن زاوية اقتصادية، توضح سلمى حسين، الباحثة في الاقتصاد السياسي والعدالة الاجتماعية، أن التوجه الحكومي يمارس ازدواجية فجة تعاقب النساء على تدهور الأوضاع المعيشية وانسداد آفاق التوظيف، بدلاً من تقديم حلول تنموية تدعم تمكينهن واستقلالهن المالي.
وتلفت الباحثة الانتباه إلى أن حرمان النساء من العمل يفاقم معدلات البطالة بينهن ويدفعهن نحو مسارات هجرة غير نظامية شديدة الخطورة، مما يحول تلك القرارات الإدارية المتعسفة إلى محفز مباشر لتنامي شبكات الاستغلال عوضاً عن التصدي لها.
وتبرز هذه التطورات اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يدعي دعم تمكين المرأة وبين الممارسات الفعلية للوزارات، حيث تفرض أجهزة العمل وصاية أبوية على إرادة المواطنات، وتعاملهن كقاصرات قانونياً عبر مصادرة أهليتهن وحقهن في اتخاذ قراراتهن.
فضلاً عن أن القرار يعزل العاملات عن مظلة الحماية القنصلية، إذ يضعهن في خانة المخالفات إدارياً إذا ما حاولن السفر بمسارات التفافية، في حين كان الأجدر بالأجهزة التنفيذية توقيع بروتوكولات حماية ملزمة مع الدول المستقبلة للعمالة.
واستناداً إلى المعطيات السابقة، تضع توصية هيئة المفوضين القضاء الإداري أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تصويب المسار، وإسقاط محاولات مصادرة الحقوق الاقتصادية بقوة الأمر الواقع، بما يعيد الاعتبار لنصوص الدستور التي تجرم التمييز وتضمن المساواة.
وفي النهاية تحسم المعركة القانونية الجارية مستقبل الحريات المهنية، حيث بات واضحاً أن تبرير القيود بذريعة الحماية الأخلاقية لم يعد قادراً على الصمود أمام الاختبارات الدستورية، ولا أمام إصرار المنظمات الحقوقية على استرداد حقوق النساء كاملة.

