تتسارع وتيرة الضغوط المعيشية على ملايين المواطنين في مصر تحت وطأة الموجات التضخمية المتلاحقة، والتي تعصف بالقدرة الشرائية للأسر وتلتهم الزيادات الاسمية في الدخول، مع استمرار صعود تكاليف السلع الغذائية والخدمات الأساسية.
وتُثقل قرارات رفع الدعم المتتالية كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة، حيث تؤدي الزيادات المستمرة في فواتير الطاقة والخدمات العامة إلى تقليص الإنفاق الضروري على التعليم والصحة، وسط تراجع مستمر في مؤشرات الرفاه الاجتماعي.
صدمات الطاقة تشعل أزمة التضخم
في المقابل، يرى كبير الاقتصاديين في "إي إف جي هيرميس" محمد أبو باشا أن القراءات الشهرية للتضخم تمثل المؤشر الحقيقي، محذراً من أن تراجع المعدل السنوي يعود جزئياً إلى صدمات سنة الأساس السابقة.
وعلى هذا الأساس، يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي والمالية العامة الدكتور أحمد السيد النجار أن تحميل المنازل زيادة أسعار الكهرباء بنسبة 12% في نهاية يوليو الماضي يستنزف القوة الشرائية بشكل مباشر ويهدد الاستقرار الاجتماعي.
علاوة على ذلك، يرفض النجار الرواية القائلة باحتواء آثار الزيادة، مؤكداً أن حصر رفع التعرفة على القطاع المنزلي دون التجاري والصناعي لا يمنع تآكل أجور المواطنين التي تعاني أساساً من قفزات أسعار متواصلة.
في غضون ذلك، تترقب الأسواق المحلية قرار لجنة تسعير المنتجات البترولية وسط مخاوف من إقرار جرعة جديدة من رفع أسعار البنزين والسولار، مما سينعكس فوراً على تكاليف نقل البضائع وأجور المواصلات العامة.
ويرتبط هذا الترقب بتصاعد أسعار النفط العالمية التي تجاوزت 90 دولاراً للبرميل خلال الفترة الماضية، قبل أن تتخطى حاجز 100 دولار خلال الأسابيع الأخيرة، مما يعزز توجه الحكومة نحو زيادة أسعار الوقود محلياً.
وبناءً على المعطيات، يؤكد النجار أن ربط التسعير المحلي بأسعار النفط العالمية المرتفعة يتجاهل تماماً مستويات الدخول المنخفضة في مصر، ويحول فاتورة اضطرابات الطاقة العالمية إلى عبء دائم يثقل كاهل المستهلكين.
وفي هذا الإطار، ترجح التقديرات بقاء معدل التضخم السنوي ضمن نطاق يتراوح بين 14% و15% في حال تحريك أسعار المحروقات، وهو نطاق يراه خبراء الاقتصاد مرتفعاً جداً ويكرس استمرار الغلاء لشهور طويلة.
ومن هذا المنطلق، يعتبر النجار أن الاستناد إلى هذا النطاق التضخمي لتبرير هدوء الأسعار يمثل قراءة شكلية تتجاهل التآكل التراكمي في الأجور الحقيقية الذي تراكم على مدار السنوات الأخيرة دون تعويض حقيقي.
صدمة الإيجارات تعمق فجوة المعيشة
من جانب آخر، أحدث تطبيق قانون الإيجار القديم في سبتمبر 2025 صدمة سعرية مباشرة على بند السكن، حيث تؤكد المؤشرات امتداد آثار هذه الزيادات الحادة إلى قراءة شهر أكتوبر أيضاً وتأثيرها المباشر.
وفي هذا الصدد، يوضح الباحث المتخصص في السياسات العمرانية يحيى شوكت أن تحرير عقود الإيجار دون وضع شبكات أمان اجتماعي فاقم أزمة السكن، ودفع آلاف العائلات نحو تقليص نفقات الغذاء لتغطية الإيجارات الجديدة.
وبالتوازي مع ذلك، يشير شوكت إلى أن احتساب التضخم بناءً على سنة الأساس يغفل الواقع الفعلي، إذ تعني الأرقام استقرار الأسعار عند مستويات قياسية بالغة الارتفاع بعد القفزات التي شهدها العام الماضي.
فضلاً عن ذلك، بدأت العوامل الموسمية التي حدت من تضخم الغذاء خلال الأشهر 3 الماضية بالتراجع السريع، مما يفتح الباب أمام موجة غلاء جديدة في أسواق التجزئة ومحلات بيع المواد الغذائية.
ويتزامن هذا التراجع مع انتقال أثر الارتفاعات العالمية في أسعار السلع الاستراتيجية مثل السكر والقمح إلى السوق المصرية، مما يضاعف الضغوط على موازنات الأسر محدودة الدخل التي تعتمد كلياً على تلك السلع.
إلى جانب ذلك، يحذر شوكت من أن تزامن صدمات السكن مع غلاء السكر والقمح يحرم المواطنين من أي هامش أمان مالي، ويحول الأولويات الأسرية إلى صراع يومي لتأمين متطلبات المعيشة الأساسية فقط.
على نحو متصل، يفند شوكت الاعتماد على المؤشرات السنوية لتسويق فكرة انحسار التضخم، موضحاً أن التضخم الشهري هو الذي يعكس حقيقة ما يدفعه المستهلك فعلياً في الأسواق والمتاجر مع كل عملية شراء.
وتأسيساً على هذا، تبقى القراءات الشهرية مرشحة لمزيد من التصاعد خلال الربع الأخير من العام، مدفوعة بانتهاء المفاعيل الإيجابية للمواسم الزراعية وتراكم التكاليف الإيجارية الباهظة المفروضة حديثاً على المستأجرين في المدن الكبرى.
تثبيت الفائدة يعرقل التعافي الحقيقي
وعلى صعيد السياسة النقدية، ترجح التقديرات المصرفية استمرار البنك المركزي في تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، استناداً إلى أن التوقعات الحالية لمسار التضخم لا تستدعي تحريكاً وشيكاً للأدوات النقدية.
في المقابل تماماً، ترى أستاذة الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتورة عالية المهدي أن تثبيت الفائدة عند مستوياتها المرتفعة الراهنة يفرض شللاً على حركة الاستثمار الخاص ويقيد قدرة الشركات على التشغيل.
نتيجة لذلك، تتراجع فرص توليد وظائف حقيقية قادرة على امتصاص صدمات الأسعار المتتالية، حيث يؤدي ارتفاع كلفة التمويل المصرفي إلى إحجام المصنعين عن التوسع وإغلاق العديد من المشاريع المتوسطة والصغيرة أبوابها.
ارتباطاً بهذا السياق، يشير التحليل الرسمي إلى تحقيق الاقتصاد المصري معدلات نمو تقترب من 5%، رغم تأثر النشاط العام بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية التي تضغط على مصادر العملة الصعبة وقناة السويس.
لكن الدكتورة المهدي تؤكد أن مؤشر النمو بنسبة 5% يظل نمواً غير احتوائي، كونه ينصب على قطاعات لا تنعكس مباشرة على دخول الأغلبية الساحقة من المواطنين المحاصرين بالغلاء وتآكل القيمة الحقيقية للعملة.
في ضوء هذه الوقائع، يظهر التباين الصريح بين المؤشرات الإحصائية المعلنة والواقع المعيشي للأسر، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع التراكمي بينما تظل السياسات المالية والنقدية عاجزة عن تقديم حلول جذرية للأزمة.
وعطفاً على التطورات، تُظهر المؤشرات الميدانية أن استمرار تثبيت الفائدة دون كبح التضخم يكرس حالة من الركود التضخمي، تجعل من الصعب على الفئات المتوسطة والفقيرة الصمود أمام موجات الغلاء الجديدة المرتقبة.
وفي المحصلة النهائية، يجد المواطن المصري نفسه محاصراً بين زيادات الوقود والكهرباء والإيجارات، في ظل إدارة اقتصادية تكتفي بإدارة الأرقام وتمرير الزيادات المتتالية دون وضع خطط حقيقية لحماية القدرة الشرائية المنهارة.

