حذر الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب أطباء مصر، من خطورة غياب تكافؤ الفرص بين الشباب، مؤكدًا أن الدولة التي لا تضمن العدالة في إتاحة الفرص تضعف انتماء أبنائها إليها، مهما رفعت من شعارات وطنية.

 

وفي تصريحات تلفزيونية خلال أكتوبر 2026، ربط عبد الحي بين العدالة الاجتماعية ومستقبل الأجيال الجديدة، معتبرًا أن الاهتمام الحقيقي بانتماء الشباب يبدأ بضمان حقوقهم، وليس بالاكتفاء بالحديث عن الوطنية دون معالجة أسباب شعورهم بالظلم.

 

غياب العدالة يهدد انتماء الشباب

 

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات نقيب الأطباء لتطرح تساؤلات جوهرية بشأن مسؤولية الحكومة عن توفير فرص متكافئة للمواطنين، خصوصًا مع تصاعد المخاوف المرتبطة بمستقبل التعليم والتوظيف وقدرة الشباب على تحقيق طموحاتهم.

 

كما شدد عبد الحي على أن الدولة التي لا يتوافر فيها تكافؤ الفرص تقتل انتماء الشباب إليها، وهي رسالة تحمل تحذيرًا واضحًا من العواقب الاجتماعية المترتبة على الشعور بالتمييز وغياب العدالة.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الانتماء الوطني لا يمكن اختزاله في الشعارات والاحتفالات الرسمية، بينما يواجه الشباب عقبات تتعلق بالتعليم والعمل، ويشعر بعضهم بأن مستقبله لا يتحدد بالكفاءة والاجتهاد وحدهما.

 

وفي المقابل، تبرز مسؤولية المؤسسات الحكومية عن وضع قواعد واضحة تضمن المنافسة العادلة، وتحول دون تحول العلاقات الشخصية أو الإمكانيات المالية إلى عوامل تمنح بعض المتقدمين أفضلية لا ترتبط بقدراتهم الحقيقية.

 

وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي الإحساس المستمر بعدم الإنصاف إلى اتساع المسافة النفسية بين المواطن والمؤسسات، خصوصًا عندما يعتقد الشباب أن سنوات الدراسة والاجتهاد لا تكفي للحصول على فرصة تتناسب مع مؤهلاتهم.

 

وبالتالي، فإن تصريحات نقيب الأطباء تتجاوز حدود القطاع الطبي، لتلامس قضية أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والأجيال الجديدة، ومدى قدرة السياسات العامة على تعزيز الثقة عبر إجراءات ملموسة.

 

وفوق ذلك، فإن الحديث عن بناء الإنسان يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته عندما لا تصاحبه ضمانات فعلية للمساواة، لأن الاستثمار في التعليم لا يحقق أهدافه إذا افتقد الخريجون مسارات عادلة للاستفادة منه.

 

ولهذا، يصبح السؤال الأساسي متعلقًا بما تقدمه الحكومة من ضمانات عملية لتكافؤ الفرص، وكيف يمكن للشباب التأكد من أن الجدارة العلمية والمهنية تظل المعيار الحاسم عند الاختيار والتعيين والترقي.

 

التعليم الطبي يعمق أزمة الفرص

 

وفي سياق متصل، ارتبطت تصريحات عبد الحي بالنقاش الدائر حول التحاق بعض الطلاب بدراسة الطب خارج مصر بمجاميع منخفضة، ثم عودتهم للبحث عن فرص مهنية داخل البلاد، وما يثيره ذلك من تساؤلات.

 

كما حذر نقيب الأطباء في تصريحات سابقة من التوسع غير المدروس في إنشاء كليات الطب وزيادة أعداد المقبولين، دون توفير إمكانيات تدريب تتناسب مع أعداد الطلاب والخريجين الجدد.

 

وفي هذا الإطار، أوضح أن عدد خريجي الطب يصل إلى نحو 12 ألف طبيب سنويًا، بينما تتاح فرص الدراسات العليا لنحو 6 آلاف فقط، وفق الأرقام التي عرضها خلال تصريحات سابقة.

 

ومن ثم، تعكس هذه الفجوة مشكلة تتعلق بقدرة منظومة التعليم الطبي على استيعاب الخريجين وتأهيلهم، خصوصًا أن الحصول على شهادة جامعية لا يمثل وحده ضمانة لاكتساب الخبرات العملية الضرورية.

 

وعلاوة على ذلك، انتقد عبد الحي استمرار بعض كليات الطب الخاصة في استقبال الطلاب رغم عدم استكمال المستشفيات التعليمية المطلوبة، معتبرًا أن التدريب العملي يمثل ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

 

وفي الوقت نفسه، فإن اختلاف الإمكانيات التدريبية بين المؤسسات التعليمية يثير مخاوف بشأن العدالة بين الطلاب، خاصة عندما لا يحصل جميع الخريجين على فرص متقاربة لاكتساب المهارات والخبرات المهنية اللازمة.

 

ومن جهة أخرى، فإن معالجة هذه الاختلالات لا تعني معاقبة الطلاب الذين التحقوا بمؤسسات تعليمية مرخصة، وإنما تستوجب محاسبة الجهات المسؤولة عن الالتزام بالاشتراطات وضمان جودة التعليم والتدريب.

 

وبناءً على ذلك، تصبح مطالبة الحكومة بربط أعداد المقبولين في كليات الطب بالطاقة التدريبية المتاحة ضرورة تنظيمية، لحماية مستقبل الخريجين وضمان حصول المرضى على خدمات طبية يقدمها أطباء مؤهلون.

 

هجرة الكفاءات تضع الحكومة للمساءلة

 

وفي جانب آخر، ترتبط أزمة تكافؤ الفرص بملف هجرة الأطباء المصريين، الذي سبق أن تناولته نقابة الأطباء باعتباره تحديًا يرتبط بمستويات الأجور وظروف العمل وفرص التدريب والتطور المهني.

 

كما أشار عبد الحي إلى أن ضعف الدخل ليس السبب الوحيد الذي يدفع الأطباء إلى العمل بالخارج، موضحًا أن بيئة العمل المنظمة وفرص التعليم المستمر تمثل عوامل مؤثرة في قراراتهم المهنية.

 

ومن ناحية ثانية، أوضح نقيب الأطباء أن النقابة تتابع مؤشرات الهجرة من خلال شهادات حسن السير والسلوك التي يستخرجها الأطباء استعدادًا للسفر، دون اعتبارها إحصاءً نهائيًا للمغادرين بالفعل.

 

وفي هذا الصدد، فإن خسارة الكفاءات الطبية لا تقتصر آثارها المحتملة على المؤسسات الصحية، وإنما تمتد إلى تكلفة إعداد الأطباء والاستثمار في تعليمهم، ثم صعوبة الاحتفاظ بخبراتهم داخل البلاد.

 

كذلك، فإن استمرار شكاوى الأطباء المتعلقة بالتكليف والنيابات والتدريب يطرح تساؤلات بشأن كفاءة التخطيط الحكومي، خصوصًا عندما تتغير القواعد أو تتأخر الإجراءات التي يرتبط بها المستقبل المهني للخريجين.

 

وفي المقابل، طالبت نقابة الأطباء سابقًا بإعلان احتياجات التخصصات بوضوح، والالتزام بمواعيد حركات التكليف والنيابات، وعدم تغيير شروط القبول بعد إعلانها، ضمانًا لاستقرار المسارات المهنية وتحقيق العدالة بين المتقدمين.

 

وعلى صعيد أوسع، فإن استعادة ثقة الشباب تتطلب سياسات يمكن قياس نتائجها، تشمل شفافية التعيينات، وعدالة توزيع فرص التدريب، وتحسين بيئات العمل، وإتاحة آليات فعالة للتظلم من القرارات غير المنصفة.

 

وأخيرًا، تضع تصريحات أسامة عبد الحي الحكومة أمام سؤال يتعلق بمستقبل العلاقة مع الشباب، فتعزيز الانتماء لا يتحقق بالمطالبة به وحدها، وإنما بتوفير الفرص العادلة التي تجعل المواطنين يشعرون بقيمة جهودهم وحقوقهم.