دخلت القوات الاتحادية الإثيوبية مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي شمال البلاد، واستعادت السيطرة على مطارها الرئيسي، بعدما تراجعت قوات جبهة تحرير شعب تيجراي من مواقعها داخل المدينة، في تطور ميداني يمثل انتكاسة كبيرة للقوى المعارضة للحكومة المركزية، وسط تصاعد المواجهات العسكرية واتساع المخاوف من عودة الحرب الأهلية التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2020 و2022.

 

وتزامن التقدم العسكري للقوات الحكومية مع تحركات دولية وإقليمية لاحتواء التصعيد، بعدما دعت الولايات المتحدة إثيوبيا وإريتريا إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار، محذرة من تداعيات اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في منطقة القرن الإفريقي، في الوقت الذي أعلن فيه قائد الجيش الأوغندي استعداد بلاده لإرسال قوات عسكرية لمساندة الحكومة الإثيوبية إذا طلبت أديس أبابا ذلك.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل تعقيدات سياسية وعسكرية متزايدة، مع دخول أطراف إقليمية على خط الأزمة، واتهامات إثيوبية لدول مجاورة بدعم التحالف المناهض للحكومة، وهو ما يثير مخاوف من تحول الاشتباكات الداخلية إلى صراع أوسع يتجاوز حدود إثيوبيا ويهدد استقرار المنطقة.

 

القوات الحكومية تدخل عاصمة تيجراي


أعلنت جماعة «قوات سلام تيجراي»، المتحالفة مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية، استعادة السيطرة الكاملة على مطار ميكيلي الرئيسي، المعروف باسم مطار ألولا أبا نيجا، مؤكدة أن قواتها بدأت تنفيذ عمليات تمشيط داخل المدينة للتأكد من إحكام السيطرة على المواقع الحيوية.

 

وقالت الجماعة، في منشور على منصة إكس مساء الجمعة، إنها فرضت سيطرتها على المطار، وإن العمليات العسكرية مستمرة داخل ميكيلي، في إشارة إلى تقدم القوات الحكومية وحلفائها بعد أيام من المواجهات العنيفة مع مقاتلي جبهة تحرير شعب تيجراي.

 

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، دخلت القوات الاتحادية الإثيوبية المدينة، السبت، بعدما أخلت القوات التابعة للسلطات المحلية المتمردة معظم مواقعها، فيما رصدت مصادر ميدانية وجود القوات الحكومية وحلفائها في عدة مناطق داخل ميكيلي.

 

ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع على التطورات أن القوات الفيدرالية وحلفاءها ظهروا في مواقع متعددة داخل المدينة، بينما أفاد صحفيون بأن مقاتلين وقادة من الجبهة بدأوا مغادرة ميكيلي، وأن المكاتب الحكومية ومراكز الشرطة أصبحت خالية من أفراد الأمن.

 

كما نقل مدير مكتب الجزيرة في إثيوبيا، محمد طه توكل، عن حاكم إقليم تيجراي السابق غيتاتشو رضا قوله إن المعركة انتهت، وإن الجيش الاتحادي أصبح يسيطر على عاصمة الإقليم، مشيرا إلى أن القوات الحكومية تتجه نحو مدن أخرى لاستكمال عمليات السيطرة عليها.

 

انسحاب مقاتلي الجبهة من المدينة


جاء دخول القوات الحكومية إلى ميكيلي بعد تراجع ملحوظ لقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، التي كانت قد حققت تقدما عسكريا في بداية المواجهات، قبل أن تواجه هجوما مضادا من القوات الاتحادية والميليشيات المتحالفة معها.

 

وقال أحد سكان ميكيلي، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن القوات الحكومية استعادت السيطرة على المطار، مشيرا إلى سماعه أصوات إطلاق نار في مناطق تقع خارج وسط المدينة.

 

وأضاف أنه شاهد مقاتلين من قوات دفاع تيجراي يغادرون مواقعهم ويتجهون إلى منازلهم، بالتزامن مع ورود معلومات عن عمليات نهب طالت منشآت حكومية داخل المدينة، في ظل حالة من الاضطراب الأمني التي صاحبت انسحاب القوات المحلية.

 

وفي المقابل، قال مصدر مقرب من الجبهة لرويترز إن ميكيلي أصبحت محاصرة بالقوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها، بينما لم تتمكن الوكالة من التحقق بصورة مستقلة من جميع المعلومات المتعلقة بالسيطرة على المدينة، كما تعذر الحصول على تعليق رسمي من جبهة تحرير شعب تيجراي.

 

ويمثل مطار ألولا أبا نيجا أهمية استراتيجية للقوات المتحاربة، إذ يقع على مسافة نحو 10 كيلومترات من وسط ميكيلي، وكان واحدا من ثلاثة مطارات في الإقليم سيطرت عليها قوات المعارضة مع اندلاع المواجهات في 23 سبتمبر.

 

هجوم مضاد على ثلاثة محاور


بدأت المواجهات الأخيرة عندما شنت جبهة تحرير شعب تيجراي، التي يقودها الحزب الحاكم في الإقليم، هجمات على مناطق في إقليمي عفر وأمهرة المجاورين، بمشاركة مجموعات مسلحة محلية، في تحرك عسكري أعاد التوتر إلى شمال إثيوبيا بعد فترة من الهدوء النسبي.

 

وحققت القوات المهاجمة تقدما في بعض المناطق خلال الأيام الأولى، قبل أن تتمكن القوات الاتحادية من استعادة زمام المبادرة وشن هجوم مضاد داخل أراضي تيجراي، مستهدفة التقدم نحو ميكيلي من ثلاثة محاور.

 

ووفقا لتقديرات مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز للأبحاث، جاء تقدم القوات الحكومية ضمن عملية عسكرية متعددة الاتجاهات، هدفت إلى استعادة المواقع التي سيطرت عليها قوات الجبهة خلال الهجمات الأخيرة.

 

كما أفاد مصدر إنساني لوكالة الصحافة الفرنسية بأن جبهة تحرير شعب تيجراي انسحبت بالكامل من إقليم عفر، موضحا أن الوضع الإنساني لم يشهد تحسنا كبيرا عقب الانسحاب، في ظل تعرض منشآت وممتلكات لأعمال نهب وتدمير أثناء تراجع المقاتلين.

 

وأشار المصدر إلى أن الحصول على الغذاء أصبح أكثر صعوبة في مناطق شمال البلاد، وهو ما يعكس حجم التداعيات التي بدأت تترتب على التصعيد العسكري، خصوصا في المناطق التي شهدت انتقال السيطرة بين القوات المتحاربة.

 

واشنطن تحذر من حرب إقليمية


على الصعيد الدولي، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مؤكدة أن منطقة القرن الإفريقي لا يمكنها تحمل اندلاع صراع عسكري جديد أو مواجهة أزمة إنسانية أخرى، في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي تعاني منها المنطقة.

 

ودعا المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيجوت، البلدين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والعودة إلى الحوار والتعاون وفقا للإطار الذي أرساه اتفاق السلام المبرم بينهما عام 2018.

 

وأكد بيجوت أن أي مواجهة مسلحة جديدة ستعرض التعاون الأمريكي القائم مع إثيوبيا وإريتريا بشأن المصالح المشتركة للخطر، مشددا على ضرورة تجنب التصعيد والعمل على معالجة الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.

 

وتأتي الدعوة الأمريكية في وقت تشهد فيه العلاقات الإثيوبية الإريترية تدهورا جديدا، بعدما اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم التحالف المناهض للحكومة الإثيوبية، إلى جانب اتهامات مماثلة وجهتها إلى السودان ومصر، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث.

 

كما أفادت التقارير بأن الحكومة الاتحادية الإثيوبية قطعت العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا خلال الأسبوع الجاري، في خطوة تعكس حجم التوتر بين الجانبين، وتزيد المخاوف من انتقال المواجهة من نطاقها الداخلي إلى خلافات مباشرة بين دول المنطقة.

 

أوغندا تعرض إرسال قوات عسكرية


وفي تطور إضافي يزيد من حساسية المشهد الإقليمي، أعلن رئيس أركان الجيش الأوغندي الجنرال موهوزي كاينيروجابا استعداد بلاده لدعم الحكومة الإثيوبية في المواجهات الجارية مع جبهة تحرير شعب تيجراي، مؤكدا إمكانية نشر قوات عسكرية أوغندية إذا طلبت القيادة الإثيوبية ذلك.

 

وكتب كاينيروجابا، عبر حسابه على منصة إكس، أن بلاده عازمة على مساندة ما وصفهم بالأشقاء الإثيوبيين في الصراع الحالي، مضيفا أنه في حال طلبت القيادة الإثيوبية المساعدة، فإن أوغندا ستنشر قوات الدفاع الشعبية الأوغندية التي وصفها بأنها لا تقهر.

 

ويعكس التصريح الأوغندي احتمالات دخول أطراف إقليمية جديدة على خط المواجهة، خاصة أن الإعلان لم يقتصر على إبداء الدعم السياسي أو الدبلوماسي، وإنما تضمن إشارة واضحة إلى إمكانية تقديم مساعدة عسكرية مباشرة بناء على طلب الحكومة الإثيوبية.

 

ولم يتضمن التصريح تفاصيل بشأن طبيعة القوات التي يمكن نشرها أو حجمها أو موعد أي تحرك محتمل، كما لم يشر إلى وجود قرار رسمي بإرسال وحدات عسكرية إلى الأراضي الإثيوبية، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن احتمالات اتساع نطاق التدخلات الخارجية في الأزمة.

 

مخاوف من تكرار الحرب الأهلية


وتعيد الاشتباكات الحالية إلى الأذهان الحرب الأهلية الإثيوبية التي اندلعت في نوفمبر 2020 واستمرت حتى عام 2022، وشهدت مواجهات دامية بين القوات الاتحادية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وأسفرت عن مقتل نحو 600 ألف شخص، وفقا للتقديرات الواردة بشأن ضحايا الحرب.

 

وكانت القوات الاتحادية قد سيطرت على ميكيلي خلال الشهر الأول من الحرب السابقة، قبل أن تتمكن جبهة تحرير شعب تيجراي من استعادة المدينة بعد نحو سبعة أشهر، وهو ما يعكس أن السيطرة العسكرية على العاصمة الإقليمية لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع أو حسمه بصورة نهائية.

 

ويرى مراقبون أن استعادة الحكومة السيطرة على المطار ودخول القوات الاتحادية إلى المدينة يمثلان تطورا مهما في موازين القوى، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإنهاء المواجهات، خصوصا في ظل استمرار وجود مجموعات مسلحة وقدرتها على مواصلة القتال في مناطق أخرى من الإقليم.

 

كما أن الاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا والدول المجاورة تضيف أبعادا جديدة إلى الأزمة، إذ لم تعد المواجهات مرتبطة فقط بالخلاف بين الحكومة الاتحادية والسلطات المحلية في تيجراي، وإنما باتت مرتبطة أيضا بحسابات أمنية وسياسية أوسع في منطقة القرن الإفريقي.

 

وتواجه السلطات الإثيوبية تحديات متعددة خلال المرحلة المقبلة، من بينها تثبيت السيطرة على ميكيلي والمناطق المحيطة بها، ومنع عودة الاشتباكات، وتأمين المنشآت الحيوية والطرق، إلى جانب التعامل مع الأوضاع الإنسانية المتدهورة ونقص الغذاء في المناطق المتضررة.

 

وفي المقابل، يبقى موقف إريتريا والدول التي اتهمتها أديس أبابا بدعم خصومها عاملا مؤثرا في تحديد مسار الأزمة، خصوصا مع تزايد التحذيرات الدولية من أن أي تصعيد عسكري بين الدول المتجاورة قد يؤدي إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.

 

وبينما تسعى الحكومة الإثيوبية إلى استثمار تقدمها العسكري لتثبيت نفوذها في تيجراي، تظل احتمالات استمرار المواجهات قائمة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة، وتزايد المؤشرات على إمكانية انخراط أطراف إقليمية في الصراع، وهو ما يجعل مستقبل شمال إثيوبيا مرتبطا بمدى قدرة الأطراف المعنية على وقف التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض.