أكد رفيق عبد السلام، عضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة ووزير الخارجية التونسي الأسبق، أن التجربة التونسية في مرحلة ما بعد الثورة، رغم ما شابها من عيوب ونقائص، مثّلت في مرحلة من مراحلها مختبرًا عمليًا للعلاج الديمقراطي في عالم عربي، وفق توصيفه، يعاني التسلط والحروب الأهلية والتمزقات الاجتماعية المدمرة.
وأضاف الكاتب أن مجرد صمود التجربة التونسية عقدًا كاملًا في مواجهة تحديات داخلية وعواصف خارجية عاتية يمثل، من وجهة نظره، مكسبًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يمكن التقليل من شأنه. ويرى أن هذه التجربة، التي يصفها بأنها «مغدور بها»، يمكن أن تظل مصدر إلهام للتونسيين ولشعوب عربية أخرى، كما يعتقد أنها قابلة للتجدد والانبعاث في أي وقت، في ظل استمرار ما يصفه بخط مقاومة الانقلاب وتجمع القوى المعارضة له رغم شدة الظروف.
وتناول الكاتب التحول الذي طرأ على مفهوم الديمقراطية في تونس بعد الثورة، مشيرًا إلى أنها لم تعد مجرد حلم لدى بعض المثقفين والكتاب أو أفكارًا نظرية مدونة في الكتب، وإنما تجسدت، بحسب رأيه، في مؤسسات وتشريعات وممارسات سياسية. واستعرض في هذا السياق الانتخابات الحرة والنزيهة، والتداول السلمي على السلطة، وحرية التنظيم والاجتماع والتعبير، بوصفها من أبرز المؤشرات التي يرى أنها رسخت التجربة الديمقراطية التونسية.
وأشار عبد السلام إلى مشهد تسلم المنصف المرزوقي الحكم من فؤاد المبزع عام 2011 في قصر قرطاج، ثم تسليمه السلطة لاحقًا إلى الباجي قايد السبسي عام 2014 في حفل حضره رؤساء ورؤساء حكومات ومسؤولون سابقون، معتبرًا أن هذا الانتقال السلمي للسلطة كان مشهدًا نادرًا واستثنائيًا في تاريخ تونس، التي عرفت طويلًا حكم الرؤساء الممتد، وكذلك في السياق العربي الأوسع.
التداول السلمي على السلطة.. تجربة تونسية في مواجهة إرث الحكم الفردي
وأكد الكاتب أن تونس قطعت خطوات مهمة في ترسيخ آلية التداول السلمي على السلطة، وأن التجربة أظهرت عمليًا، وليس افتراضًا فقط، إمكانية وصول الحاكم في بلد عربي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع دون إراقة الدماء أو استخدام القوة العسكرية.
وتابع عبد السلام أن التجربة أظهرت كذلك إمكانية مغادرة الحاكم السلطة بالطريقة نفسها، أي بصورة سلمية وهادئة والعودة إلى الحياة الخاصة دون أن تصبح مغادرته للحكم تهديدًا لحياته. وقارن ذلك بما وصفه بالمعادلة الراهنة في العالم العربي، التي تقوم، بحسب تعبيره، على ثنائية «الصدر أو القبر»، أي إما الوصول إلى الحكم بالقوة والسلاح وركوب الدبابات، أو مغادرة السلطة باتجاه السجون أو المقابر.
وأضاف أن قيس سعيّد نجح، وفق توصيفه، في قطع «الحبل الديمقراطي» مؤقتًا والعودة إلى نمط من السلطوية المركزية المغلفة بما وصفه بالشعبوية، لكنه يرى أن ذلك لم يؤد إلى إنهاء الحراك السياسي والمجتمعي المطالب بالحرية والديمقراطية، كما لم ينهِ التطلعات والأحلام التي أطلقتها الثورة التونسية.
وأكد الكاتب أن تجدد الطاقة التي بعثتها الثورة التونسية يبقى، من وجهة نظره، مرتبطًا بتطورات المرحلة وموازين القوى المتحركة، معتبرًا أن عودة هذه الطاقة مسألة ترتبط بالوقت والتحولات السياسية والمجتمعية.
وتناول عبد السلام نقاط الضعف التي رافقت التجربة الديمقراطية التونسية، موضحًا أنها كانت هشة، ووقفت، بحسب وصفه، «على رجل واحدة» نتيجة ضعف المنجز الاقتصادي، الذي يرى أنه ظل رغم ذلك أفضل بكثير مما قدمه قيس سعيّد، إلى جانب هشاشة المؤسسات وشدة الاستقطاب الداخلي وثقل التدخلات الخارجية.
وأشار الكاتب إلى أن هذه العوامل، وفق تحليله، أتاحت للشعبوية فرصة تجميد المسار الديمقراطي مؤقتًا، لكنها لم تمحِ آثار التجربة؛ إذ يرى أنها تركت أثرًا عميقًا لدى أنصارها وخصومها على حد سواء، وحركت أحلامًا وتطلعات كبرى لدى شرائح واسعة من المواطنين، بمن فيهم الناس العاديون والبسطاء.
وأضاف عبد السلام أن التجربة التونسية، من هذه الزاوية، تتمتع بقابلية عالية للتجدد والبناء عليها مستقبلًا، من خلال تجاوز العثرات وتصحيح الأخطاء وتعزيز المكتسبات، معتبرًا أن ذلك ينسجم مع طبيعة الثورات الكبرى التي أثرت في العصر الحديث.
واستعرض الكاتب ما يعتبره أحد أبرز إسهامات الثورة التونسية، والمتمثل في كشفها، بحسب رؤيته، عن مفاتيح التعامل مع واحدة من أكبر المشكلات التي عانى منها العالم العربي، وهي مشكلة الحكم السلطوي بنسختيه التي وصفهما بالحداثية والتقليدية.
وأكد عبد السلام أن التجربة، وفق قراءته، أظهرت كذلك أن الديكتاتورية التي تُطرح تحت عناوين استعادة الاستقرار وتحقيق الرفاه لا تمثل حلًا مستدامًا ولا توفر أفقًا مستقبليًا.
الغنوشي والإسلام والديمقراطية.. جدل التسويات والتعايش السياسي
وتناول الكاتب أهمية السنوات العشر التي أعقبت الثورة، معتبرًا أن مدتها، رغم قصرها مقارنة بعمر الدول والأمم، كانت كافية لإظهار الطريق الذي يمكن أن يقود إلى العلاج الديمقراطي، ولإبراز ما يراه تفوقًا سياسيًا وأخلاقيًا لنظام الحرية والديمقراطية التداولية، رغم صعوباته، مقارنة بنظام الحكم الفردي المطلق.
وأضاف عبد السلام أن أهمية التجربة التونسية، في هذا السياق، ترتبط كذلك بفكر راشد الغنوشي، معتبرًا أن من أبرز تبعات المرحلة التي أعقبت إجراءات قيس سعيّد أنها دفعت التونسيين ونخبهم إلى إدراك قيمة الحرية بصورة أوضح من ذي قبل.
وأشار الكاتب إلى أن المقارنة بين المرحلة الديمقراطية السابقة والمرحلة الحالية، وفق رؤيته، عززت الاعتقاد بأن الديمقراطية، حتى مع نواقصها، تظل أكثر قبولًا من الحكم الفردي. ويرى أن هذا الأمر أسهم في تنامي اتجاه بين تونسيين نحو إعادة الاعتبار السياسي والرمزي إلى مرحلة ما بعد الثورة، باعتبارها مرحلة انتقال وتدريب عملي على الممارسة الديمقراطية، لا مجرد فترة ضائعة من الزمن.
وأكد عبد السلام أن مقولة «العشرية السوداء» تراجعت، أو كادت، في التداول الشعبي والنخبوي، خصوصًا مع ما وصفه بثقل الأزمات وكثرة الاضطرابات التي أعقبت إجراءات قيس سعيّد.
وتناول الكاتب ما يراه فرصة للمقارنة بين حاضر الشعبوية وماضي الديمقراطية القريب، معتبرًا أن هذه المقارنة أتاحت اختبار الشعارات والمقولات والممارسات المرتبطة بالمرحلتين. وأوضح أن ما كان يُوصف سابقًا بأنه تفتيت للسلطة في النظام شبه البرلماني قابله، بحسب رؤيته، تركيز واسع للسلطات في يد الرئيس قيس سعيّد، كما أن ما كان يوصف بتغول الأحزاب قابله تغول للسلطة الفردية، بينما حل الصراع والإقصاء محل التوافقات والتسويات التي ميزت المرحلة السابقة، وفق قراءته.
وأضاف عبد السلام أن هذه المقارنة تقوده إلى تفضيل الديمقراطية التعددية على الحكم الفردي، كما يرى أنها تعيد طرح فكر راشد الغنوشي في مواجهة ما يصفه بأطروحات الشعبوية التي يمثلها قيس سعيّد.
واستعرض الكاتب البعد الأوسع للتجربة التونسية، معتبرًا أن رسالتها لا تتوقف عند حدود تونس، وإنما تمتد إلى الفضاء العربي والإسلامي. ويربط ذلك بما يصفه بمنهج «التسويات الفكرية والسياسية الكبرى» التي نظّر لها راشد الغنوشي ودافع عنها، وحاول تطبيقها عمليًا في سياق التجربة التونسية بعد الثورة.
وأوضح عبد السلام أن هذه التسويات تشمل، بحسب رؤيته، التسوية التاريخية بين الإسلام والحداثة، والتسوية السياسية بين الإسلاميين والعلمانيين، والجمع بين الإسلام والديمقراطية.
وأكد أن هذه التسويات، رغم ما واجهته وما تزال تواجهه من اضطرابات وصعوبات في واقع عربي يعتبره مستعصيًا على الإصلاح، تظل ضرورية ومهمة لبناء تعاقد جديد للحاضر العربي ومستقبله.
وأضاف أن هذه الجدلية قد تشبه، من بعض الوجوه، ما سماه الفيلسوف الألماني هيغل «تناقض الروح الخلاق»، الذي اعتبره محركًا أساسيًا للتاريخ والوعي البشري. ويرى الكاتب أن هذا الجدل الفكري والسياسي قد يكون مرهقًا، لكنه يظل، بحسب رؤيته، أفضل من الاستقرار الذي يُبنى على الجمود السياسي تحت أنظمة سلطوية.
وتناول عبد السلام ما اعتبره عياض بن عاشور إحدى مفارقات الثورة التونسية وتناقضاتها، والمتمثلة في تقدم قوة سياسية إسلامية، يقصد بها حركة النهضة، إلى واجهة المشهد، رغم وصف بن عاشور لها بأنها غير ديمقراطية. ويرى عبد السلام أن حضور هذه القوة الإسلامية منح التجربة التونسية أهمية فكرية وسياسية تتجاوز نطاقها المحلي.
وأشار الكاتب إلى أن مشاركة حزب إسلامي في صياغة المرحلة التأسيسية، بما شملته من دستور ومؤسسات، تمثل، في تقديره، نقطة مهمة بالنسبة إلى العلاقة بين الإسلام والحداثة. واعتبر أن حركة النهضة أرادت أن تكون حزبًا ديمقراطيًا ومشاركًا في الحكم، وعملت على تطوير خطابها وأفكارها بما يتلاءم مع متطلبات الحداثة، بالتوازي مع محاولة مواءمة الحداثة مع منظورها الديني والأخلاقي.
وأكد عبد السلام أن الفكرة الديمقراطية استقرت في خطاب حركة النهضة، وتحديدًا لدى زعيمها راشد الغنوشي، منذ ثمانينيات القرن الماضي. وأوضح أن الغنوشي بدأ مسيرته السياسية، وفق وصفه، بإسلامية أكثر تشددًا، قبل أن تدفعه البيئة التونسية بما حملته من إكراهات فكرية وسياسية، ثم تجربته في المهجر البريطاني، إلى تطوير أطروحاته وإنضاجها تدريجيًا.
وأضاف أن هذا التطور ظهر في أدبيات حركة الاتجاه الإسلامي منذ مطلع الثمانينيات، ثم في الوثائق التأسيسية لحركة النهضة، وتعزز لاحقًا خلال مرحلة الحكم التي أعقبت الثورة.
رؤية القانوني والكاتب التونسي عياض بن عاشور للديمقراطية
واستعرض الكاتب في المقابل رؤية القانوني والكاتب التونسي عياض بن عاشور للديمقراطية، موضحًا أن بن عاشور يرى أنها لا تستحق وصفها بالديمقراطية فعليًا إلا إذا أفرزت نخبًا ليبرالية حداثية ذات طابع علماني على النموذج الفرنسي.
وأشار عبد السلام إلى أن هذه الرؤية، بحسب قراءته، تشبه مواقف من يرفضون نتائج الانتخابات إذا لم تأتِ بصناديق الاقتراع بالقوى السياسية التي يفضلونها، مستشهدًا بما وصفه بالنموذج الأميركي في التعامل مع نتائج الديمقراطية.
وأكد الكاتب أن الإشكال، من وجهة نظره، يتمثل في أن أغلب الانتخابات الحرة والنزيهة التي جرت وتجري في العالم العربي، وكذلك في العالم الإسلامي، يتصدرها الإسلاميون أو يكونون، في الحد الأدنى، طرفًا رئيسًا ووازنًا فيها.
وأضاف أن افتراض أن الديمقراطية ستؤدي بالضرورة إلى صعود نخب ليبرالية علمانية خالصة يبدو، بحسب تحليله، بعيد المنال، وأن الإصرار على هذا التصور قد يؤدي إلى تعليق المشروع الديمقراطي إلى أجل غير مسمى.
واستعرض عبد السلام كذلك ما يراه نتيجة محتملة للإصرار على نموذج حداثي علماني خالص، معتبرًا أن ذلك قد يقود، في نهاية المطاف، إلى إعادة إنتاج حداثة ذات طابع أوليغارشي وتسلطي، وإن جرى تغليفها بشعارات حداثية.
وأكد الكاتب في ختام قراءته أن أطروحات راشد الغنوشي المتعلقة بالتوافق والتسويات، وكذلك رؤيته للعلاقة الجدلية بين الإسلام والديمقراطية، وبين الإسلام والحداثة، والتوافق بين ما يسميه الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين المعتدلين، تظل، وفق تقديره، ذات أهمية للحاضر والمستقبل.
وأضاف أن أهمية هذه الأطروحات، في رؤيته، لا تقتصر على تونس، وإنما تمتد إلى العالم العربي الأوسع، باعتبارها محاولة لطرح صيغ فكرية وسياسية تجمع بين مكونات متباينة في المجتمعات العربية، وتبحث عن أرضية مشتركة للتعايش السياسي والديمقراطي.

