يرى جيمس كلير أن السعي إلى الكفاءة وتحقيق أكبر قدر من النتائج بأقل جهد قد يقود أحيانًا إلى نتيجة عكسية، خصوصًا عندما نحاول تحسين حياتنا اعتمادًا على ما نجح معنا في الماضي بدلًا من التفكير في المستقبل الذي نريد بناءه. وتكشف قاعدة 80/20، رغم قوتها في تحديد الأولويات، عن جانب أقل وضوحًا: الخيار الأكثر فاعلية الآن ليس بالضرورة الخيار الأفضل لمستقبلك.


وينشر جيمس كلير، الكاتب المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتحسين المستمر، هذا التحليل ضمن مقالاته التي تتناول الإنتاجية وتطوير الذات، موضحًا كيف يمكن لقاعدة 80/20 أن تساعدنا في التركيز على ما يحقق أكبر النتائج، لكنها قد تدفعنا في الوقت نفسه إلى تكرار نجاحات الماضي بدلًا من اكتشاف مسارات جديدة.

 


الكفاءة أم الفاعلية؟ وما الفرق بينهما؟


لديك حياة واحدة ثمينة. فكيف تقرر أفضل طريقة لاستثمار وقتك؟


غالبًا ما ينصح خبراء الإنتاجية بالتركيز على الفاعلية بدلًا من الكفاءة.


تعني الكفاءة إنجاز عدد أكبر من المهام، بينما تعني الفاعلية إنجاز المهام الصحيحة. وقد لخّص خبير الإدارة الشهير بيتر دراكر هذه الفكرة بقوله إن أكثر الأشياء عديمة الفائدة هو أن تنجز بكفاءة ما كان ينبغي ألا تفعله أصلًا.


بمعنى آخر، لا يتعلق التقدم بمجرد أن تكون منتجًا، بل بأن تكون منتجًا في الاتجاه الصحيح.


لكن كيف تعرف ما الأشياء الصحيحة التي تستحق وقتك؟


تأتي هنا إحدى أكثر الأدوات شيوعًا لتحديد الأولويات: مبدأ باريتو، المعروف باسم قاعدة 80/20.


تفترض قاعدة 80/20 أن عددًا صغيرًا من العوامل مسؤول عن الجزء الأكبر من النتائج في أي مجال معين. فقد يمتلك 20% من الأشخاص، مثلًا، 80% من الأراضي في بلد ما، أو تحصد نسبة صغيرة من فرق كرة السلة معظم البطولات.


ولا يشترط أن تكون النسبة فعلًا 80% مقابل 20%. الفكرة الأساسية هي أن غالبية النتائج تنتج عن أقلية من الأسباب.

 


قوة قاعدة 80/20 في العمل والحياة


عندما تطبق قاعدة 80/20 على حياتك وعملك، فإنها تساعدك على التمييز بين القليل المهم والكثير الأقل أهمية.


قد يكتشف أصحاب الشركات، مثلًا، أن معظم إيراداتهم تأتي من عدد محدود من العملاء المهمين. وفي هذه الحالة، توصي قاعدة 80/20 بأن يركز صاحب العمل على خدمة هؤلاء العملاء والعثور على آخرين يشبهونهم، بدلًا من استنزاف وقته في خدمة العملاء الذين لا يساهمون إلا بجزء ضئيل من الأرباح.


ويمكن تطبيق الاستراتيجية نفسها على المشكلات.


إذا نظرت إلى مصادر شكاوى العملاء، فقد تكتشف أن الجزء الأكبر من مشكلات خدمة العملاء يأتي من عدد محدود من العملاء. وهنا قد تساعدك قاعدة 80/20 على تقليص قائمة المشكلات من خلال التخلص من مصادرها الأساسية بدلًا من محاولة معالجة كل مشكلة على حدة.


تشبه قاعدة 80/20 نوعًا من الجودو في الحياة والعمل؛ فعندما تحدد المكان الصحيح الذي ينبغي أن تركز فيه جهودك، يمكنك تحقيق نتائج أكبر بجهد أقل.


إنها استراتيجية قوية، وقد تكون مفيدة في مواقف كثيرة.


لكن لها جانبًا آخر غالبًا ما يجري تجاهله.


الجانب المظلم لقاعدة 80/20: عندما تمنعك الكفاءة من التغيير


تخيل أنك في ذروة نجاحك المهني وتحاول أن تقرر كيف تستثمر وقتك.


إذا استخدمت قاعدة 80/20 لاتخاذ القرار، فمن المرجح أن تقودك البيانات إلى الاستمرار في الشيء الذي تحقق فيه أفضل النتائج حاليًا.


وهذا يبدو منطقيًا.


إذا كان نوع معين من الأعمال يحقق لك أكبر قدر من المال والنجاح والتقدير، فلماذا تتركه؟


لكن المشكلة تبدأ عندما لا تريد الاستمرار في الشيء نفسه أصلًا.


قد يكون الطريق الجديد أقل فاعلية في البداية، وقد يبدو قرار الانتقال إليه غير منطقي وفقًا لكل البيانات المتاحة أمامك. ومع ذلك، قد يكون هو الطريق الذي تريده فعلًا.


وهنا تكمن المشكلة الأساسية في قاعدة 80/20:


المسار الجديد لن يبدو في بدايته الخيار الأكثر فاعلية.


قد يكون شخص ما ناجحًا في مهنته الحالية، لكنه يريد الانتقال إلى مجال مختلف تمامًا. ولو قاس قراره بناءً على النتائج الحالية فقط، فسيجد أن البقاء في مجاله القديم هو الخيار الأكثر ربحًا والأكثر أمانًا والأكثر كفاءة.


لكن ذلك لا يعني أنه الخيار الأفضل لمستقبله.


فالتحليل المبني على 80/20 ينظر بطبيعته إلى ما يحقق نتائج بالفعل، وليس إلى ما يمكن أن يحقق نتائج مستقبلًا.

 


هل تعمل على تحسين ماضيك أم بناء مستقبلك؟


خذ مثالًا آخر على ذلك: جيف بيزوس.


عمل بيزوس في وول ستريت، وصعد السلم الوظيفي حتى أصبح نائبًا أول لرئيس صندوق تحوط، قبل أن يترك مسيرته المهنية عام 1994 ويؤسس شركة عبر الإنترنت.


لو استخدم بيزوس قاعدة 80/20 عام 1993 للبحث عن أكثر المسارات فاعلية في حياته المهنية، فمن الصعب تخيل أن تأسيس شركة على الإنترنت كان سيظهر ضمن أفضل الخيارات.


في ذلك الوقت، كان الاستمرار في القطاع المالي هو الخيار الأكثر فاعلية على الأرجح، سواء قست ذلك بالدخل أو المكانة الاجتماعية أو الاستقرار المهني.


لكن المستقبل لم يكن نسخة من الماضي.


تُبنى قاعدة 80/20 على فاعليتك الأخيرة. وما يبدو في لحظة معينة الاستخدام الأعلى قيمة لوقتك يعتمد إلى حد كبير على مهاراتك السابقة والفرص المتاحة أمامك حاليًا.


ولهذا تساعدك قاعدة 80/20 على اكتشاف الأشياء المفيدة في ماضيك، ثم الحصول على المزيد منها في المستقبل.


لكن ماذا لو كنت لا تريد أن يكون مستقبلك مجرد نسخة محسّنة من ماضيك؟


هنا تحتاج إلى طريقة مختلفة في التفكير.


الجانب الآخر من الفاعلية هو أنها قد تدفعك إلى تحسين ماضيك بدلًا من بناء مستقبلك.


والخبر الجيد أن الشيء الذي يبدو غير فعال اليوم يمكن أن يصبح شديد الفاعلية مع الوقت والممارسة.


فأنت تصبح جيدًا في الشيء الذي تتدرب عليه.


عندما تبدأ مهارة جديدة، أو تؤسس شركة جديدة، أو تدخل تجربة مختلفة تمامًا، غالبًا ما يبدو استثمار وقتك فيها غير منطقي في البداية. وبالمقارنة مع الأشياء التي تتقنها بالفعل، سيبدو المسار الجديد وكأنه مضيعة للوقت.


ولهذا السبب تحديدًا، قد لا يفوز المسار الجديد في اختبار قاعدة 80/20.


لكن ذلك لا يعني أنه القرار الخاطئ.


فكل مهارة جديدة تبدأ من نقطة لا تبدو فيها فعالة. وكل مشروع جديد يمر بمرحلة تكون فيها نتائجه أقل بكثير من تكلفة الوقت والجهد المبذولين فيه.


إذا اعتمدت فقط على ما يحقق أفضل النتائج الآن، فقد تحمي نجاحك الحالي، لكنك قد تغلق الباب أمام النجاح الذي لم يظهر بعد.


لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال دائمًا: «ما أكثر شيء يمكنني تحقيقه الآن؟»


أحيانًا يكون السؤال الأهم:


«ما الشيء الذي أريد أن أصبح جيدًا فيه بعد خمس أو عشر سنوات؟»


قاعدة 80/20 ممتازة في تحسين ما تعرفه بالفعل، لكنها ليست دائمًا الأداة المناسبة لاختيار ما ستتعلمه أو ما ستصبح عليه.


فإذا كنت تريد مستقبلًا مختلفًا عن ماضيك، فسيتعين عليك أحيانًا أن تختار شيئًا لا يبدو منطقيًا وفقًا لمقاييس النجاح الحالية.


وقد يكون ذلك بالضبط هو القرار الأكثر فاعلية على المدى الطويل.

 

https://jamesclear.com/the-downside-of-being-effective