يرى الكاتب جيمس كلير أن قراءة الكتب لا تقتصر فوائدها على اكتساب معلومات جديدة، بل يمكن لكتاب جيد أن يمنح القارئ طريقة مختلفة لفهم تجاربه السابقة. ويوضح كلير أن كل فكرة أو نموذج ذهني جديد يتعلمه الإنسان يشبه تحديثًا للبرمجيات التي يعمل بها العقل، إذ تتيح له إعادة النظر في تجاربه القديمة واستخلاص دروس جديدة منها. وكما يقول باتريك أوشونيسي، فإن «القراءة تغيّر الماضي».
ويقدم موقع جيمس كلير، المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتطوير المستمر، مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد القراء على فهم الكتب التي يقرؤونها والاحتفاظ بأفكارها لفترة أطول، مؤكدًا أن قيمة المعرفة لا تتراكم بمجرد قراءة عدد أكبر من الكتب، وإنما بمدى قدرة القارئ على استيعاب ما يقرأه والاستفادة منه.
ابدأ كتبًا أكثر وتخلَّ عن معظمها
يشير كلير إلى أن القارئ لا يحتاج إلى وقت طويل لمعرفة ما إذا كان الكتاب يستحق القراءة، إذ تبرز جودة الكتابة والأفكار الجيدة سريعًا. لذلك، ينصح ببدء قراءة عدد أكبر من الكتب بدلًا من الالتزام بكل كتاب يبدأه القارئ حتى النهاية.
ويمكن للقارئ استكشاف فهرس الكتاب وعناوين فصوله والعناوين الفرعية، ثم اختيار قسم مثير للاهتمام وقراءة بضع صفحات منه، أو تصفح الكتاب والاطلاع على النقاط المكتوبة بخط بارز والجداول. ويكفي نحو عشر دقائق لتكوين فكرة معقولة عن جودة الكتاب ومدى ملاءمته.
لكن الخطوة الأهم، بحسب كلير، تتمثل في التخلي عن الكتب غير الجيدة بسرعة ومن دون شعور بالذنب أو الخجل. فالوقت أقصر من أن يُهدر في قراءة كتب متوسطة، خصوصًا مع وجود عدد هائل من الكتب الرائعة التي تستحق الاهتمام.
ويلخص كلير توصيته في قاعدة بسيطة: ابدأ كتبًا أكثر، واترك معظمها، واقرأ الكتب العظيمة مرتين.
كما ينصح باختيار الكتب التي يمكن تطبيق أفكارها فورًا، لأن تحويل ما يقرأه الإنسان إلى ممارسة عملية يساعد على تثبيت المعرفة في الذاكرة. وتمنح الأفكار القابلة للتطبيق القارئ حافزًا أكبر للانتباه والتذكر، خصوصًا عندما ترتبط بما يواجهه في حياته أو عمله.
فعلى سبيل المثال، سيجد شخص يبدأ مشروعًا تجاريًا دافعًا أكبر للاستفادة من كتاب عن المبيعات، بينما قد يقرأ متخصص في علم الأحياء كتاب «أصل الأنواع» بتركيز أكبر لأنه يرتبط مباشرة بمجال عمله اليومي. ومع ذلك، لا يشترط أن تكون كل الكتب عملية أو إرشادية حتى تحمل قيمة معرفية، إذ يمكن العثور على الحكمة في أنواع مختلفة من الكتب.
دوّن أفكارك واربط المعرفة الجديدة بما تعرفه
يشدد كلير على أهمية تدوين الملاحظات أثناء القراءة، مؤكدًا أن الأمر لا يحتاج إلى نظام معقد أو مجهود كبير. ويكفي إبراز النقاط والمقاطع المهمة بطريقة تساعد على العودة إليها لاحقًا.
ويختلف أسلوب تدوين الملاحظات بحسب وسيلة القراءة؛ فقد يحدد القارئ المقاطع المهمة عند استخدام الكتب الإلكترونية، أو يكتب الاقتباسات التي تلفت انتباهه أثناء الاستماع إلى الكتب الصوتية، أو يضع علامات على الصفحات ويدون الملاحظات عند قراءة الكتب الورقية.
لكن الأهم هو حفظ هذه الملاحظات في صيغة يمكن البحث داخلها بسهولة. ويرى كلير أن القارئ لا ينبغي أن يترك مهمة استيعاب ما يقرأه للذاكرة وحدها، لأن سهولة العثور على الفكرة عند الحاجة إليها تجعلها أكثر فائدة.
ويستخدم كلير تطبيق إيفرنوت لحفظ ملاحظاته، مستفيدًا من إمكانية البحث الفوري داخله وسهولة استخدامه عبر أجهزة متعددة، إلى جانب إمكانية إنشاء الملاحظات وحفظها دون اتصال بالإنترنت.
ولا يشترط أن تكون الملاحظات رقمية حتى تصبح قابلة للبحث والرجوع إليها. ويمكن استخدام الملاحظات اللاصقة لتحديد صفحات معينة، أو حفظ كل فكرة على بطاقة ورقية وتصنيفها وفق الموضوع أو الكتاب. والفكرة الأساسية، بحسب الكاتب، هي إنشاء نظام يتيح الوصول إلى الأفكار بسهولة عندما يحتاج إليها القارئ.
ولا يقتصر الأمر على حفظ الأفكار، بل ينبغي ربط المعرفة الجديدة بما يعرفه القارئ مسبقًا. ويشبه كلير الكتاب بشجرة معرفة، تتكون من جذع يمثل المفاهيم الأساسية وفروع تحمل التفاصيل. وكلما ربط القارئ «فروع» الكتاب الجديد بأشجار المعرفة الموجودة لديه، أصبح قادرًا على بناء فهم أعمق والاحتفاظ بالمعلومات بشكل أفضل.
ويشير الكاتب إلى أن هذه الروابط تساعد على تثبيت المعلومات الجديدة من خلال ربطها بمفاهيم وأفكار يفهمها القارئ بالفعل. لذلك، عندما تثير فكرة جديدة في كتاب ما ذكرى أو فكرة من كتاب آخر، ينبغي ألا يترك القارئ هذا الرابط يمر دون تسجيله، بل عليه أن يدوّن ما تعلمه وكيف يرتبط بالأفكار الأخرى.
لخّص الكتاب وأعد قراءته من جديد
يقترح كلير أن يختبر القارئ مدى فهمه للكتاب بمجرد الانتهاء منه من خلال تلخيص محتواه في ثلاث جمل فقط. ورغم أن الأمر يبدو أشبه بلعبة، فإنه يجبر القارئ على تحديد الأفكار التي تستحق الاحتفاظ بها فعلًا.
ويطرح الكاتب عدة أسئلة يمكن أن تساعد في هذه العملية، أبرزها: ما الأفكار الرئيسية في الكتاب؟ وما الفكرة التي يمكن تطبيقها فورًا؟ وكيف يمكن شرح محتوى الكتاب لصديق؟
ويجد كلير في كثير من الأحيان أن قراءة ملخصه المكون من فقرة واحدة ومراجعة ملاحظاته تمنحه قدرًا من المعلومات المفيدة يقترب مما سيحصل عليه إذا أعاد قراءة الكتاب كاملًا.
وإذا عجز القارئ عن اختصار الكتاب في ثلاث جمل، فيمكنه الاستعانة بـ«تقنية فاينمان»، وهي أسلوب لتدوين الملاحظات يحمل اسم الفيزيائي الحائز جائزة نوبل ريتشارد فاينمان. وتعتمد التقنية على كتابة اسم الكتاب أعلى ورقة فارغة، ثم محاولة شرح محتواه لشخص لم يسمع عنه من قبل.
وعندما يجد القارئ نفسه عاجزًا عن شرح جزء معين أو يكتشف وجود فجوات في فهمه، فعليه العودة إلى ملاحظاته أو النص الأصلي، ثم المحاولة مجددًا حتى يتمكن من شرح الأفكار الرئيسية بثقة. ويؤكد كلير أن الكتابة عن فكرة كما لو كان القارئ يشرحها لشخص مبتدئ تكشف فجوات التفكير بصورة يصعب الوصول إليها بطرق أخرى.
ولا ينصح الكاتب بالاعتماد على كتاب واحد لتكوين رؤية كاملة حول موضوع ما. فالقراءة من مصادر متعددة تتيح النظر إلى المشكلة نفسها من زوايا مختلفة، وتساعد القارئ على تجاوز حدود تجربته الشخصية.
ويستشهد كلير بمقولة توماس الأكويني: «احذر رجل الكتاب الواحد»، موضحًا أن الاعتماد على كتاب واحد لتكوين منظومة اعتقادات كاملة قد يؤدي إلى معرفة ناقصة أو غير دقيقة. كما أن التجارب الشخصية نفسها لا تمثل سوى جزء ضئيل للغاية من إجمالي ما حدث في العالم، رغم أنها قد تشكل نسبة كبيرة من الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم.
لذلك، يقترح قراءة مجموعة متنوعة من الكتب حول الموضوع نفسه، واستكشاف وجهات نظر مؤلفين مختلفين، والنظر إلى القضية من زوايا متعددة بدلًا من حصر المعرفة في تجربة أو مصدر واحد.
وفي النهاية، يعود كلير إلى نصيحته بقراءة الكتب العظيمة أكثر من مرة. فالكتاب الجيد قد يكشف للقارئ أفكارًا جديدة عند إعادة قراءته، لأن المشكلات التي يواجهها الإنسان تتغير مع مرور الوقت، كما تتغير الأشياء التي يبحث عنها داخل النص.
ويقول الفيلسوف كارل بوبر، إن الكتاب الذي يستحق القراءة يستحق أيضًا إعادة القراءة مرات عديدة، لأن القارئ يستطيع في كل مرة اكتشاف أشياء جديدة لم ينتبه إليها سابقًا. فالكتاب نفسه قد يبقى ثابتًا، لكن القارئ الذي يعود إليه لا يكون الشخص نفسه.
كما أن تكرار الأفكار يساعد على ترسيخها في العقل. فتعلم فكرة واحدة مرة واحدة قد يمنح الإنسان لحظة إلهام، لكنه لا يضمن أن تتحول إلى تغيير حقيقي في السلوك، إذ سرعان ما قد تطغى عليها سنوات العادات والتجارب السابقة.
ويختصر نسيم طالب الفكرة بقوله إن الكتاب الجيد يتحسن عند القراءة الثانية، بينما يتحسن الكتاب العظيم عند القراءة الثالثة، وإن الكتاب الذي لا يستحق إعادة القراءة ربما لا يستحق القراءة من الأساس.
ويؤكد كلير في ختام مقاله أن المعرفة تتراكم مع الوقت، وأن قراءة كتاب واحد نادرًا ما تغير حياة الإنسان بالكامل، حتى لو منحه لحظة اكتشاف أو إلهام. أما التحول الحقيقي فيأتي من الالتزام بالتعلم المستمر واكتساب قدر صغير من الحكمة كل يوم.
ولهذا، لا تكمن الفائدة الحقيقية في زيادة عدد الكتب التي يقرأها الإنسان فحسب، بل في استخراج أكبر قدر ممكن من المعرفة من كل كتاب، وتطبيق أفكاره، وتدوينها، وربطها بما يعرفه مسبقًا، ثم العودة إليها مرة أخرى عندما يحتاج إليها.
https://jamesclear.com/reading-comprehension-strategies

