يدخل رجل في الخمسين من عمره إلى غرفة الطوارئ، قابضا يده على صدره، فيما توحي ملامح وجهه بالذعر، وكأنه ينتظر نهايته المحتومة. وفي غرفة الانتظار المجاورة، تجلس امرأة تشكو من دوخة متكررة لا تعرف لها سببا، وتكاد تفقد وعيها.

 

وفي زاوية أخرى، يجلس شاب عشريني يشعر بأن قلبه يخفق بسرعة شديدة، «يكاد يقفز من صدره»، وكأنه يخوض سباق ماراثون، رغم أنه جالس بهدوء على كرسيه.

 

وفي خضم ذلك كله، يدخل فريق الطوارئ حاملا مريضة في عقدها الثامن على نقالة الإسعاف، بينما يغطي قناع الأكسجين نصف وجهها، وهي تكافح من أجل التقاط أنفاسها بصعوبة بالغة.

 

أربعة مرضى، وأربعة أعراض مختلفة، لكن السؤال الذي يدور في ذهن الممرضة التي تستقبلهم في قسم الطوارئ واحد: هل للقلب علاقة بما يحدث، وهل تستدعي الحالة تدخلا طبيا عاجلا؟

 

يوضح د. طارق أبو غزالة، استشاري أمراض القلب والأوعية والعلاج بالقسطرة، أن القلب لا يتحدث بلغة واحدة عندما يواجه مشكلة، وإنما يمكن أن يعبر عن نفسه من خلال مجموعة من الأعراض الرئيسية التي قد تظهر منفردة أو مجتمعة، أبرزها: ألم الصدر، وضيق التنفس، والخفقان، والدوخة، وفقدان الوعي.

 

ويستعرض الدكتور طارق كل عرض على حدة: ما المقصود به، وما الأسباب القلبية التي يمكن أن تقف وراءه، ومتى يصبح ظهوره سببا يستدعي طلب المساعدة الطبية بشكل عاجل.

 

مع التأكيد على أن هذا التقرير يأتي لأغراض التوعية الصحية العامة، ولا يغني عن استشارة الطبيب المختص عند وجود أي حالة فردية.

 

 

أولا: ألم الصدر.. حين يكون الألم رسالة من القلب

 

ألم الصدر هو إحساس قد يأتي على شكل ضغط أو ثقل أو حرقة في منتصف الصدر، وقد يمتد إلى الذراع اليسرى أو الرقبة أو الفك أو منتصف وأعلى الظهر.

 

ولا يشترط أن يكون الألم حادا بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فكثير من المرضى يصفونه بعبارات مختلفة، من بينها الشعور بوجود «شيء ثقيل يجثم على الصدر».

 

 

ما الأسباب القلبية وراءه؟

 

يشير د. طارق إلى أن أبرز الأسباب القلبية لألم الصدر هي الذبحة أو الخناق الصدري الناجم عن تضيق الشرايين التاجية.

 

وقد يكون هذا الخناق مستقرا، فيظهر مع المجهود ويزول بالراحة وتناول حبة النيتروغليسيرين تحت اللسان، أو غير مستقر، فيظهر حتى أثناء الراحة، ويعد في هذه الحالة إنذارا خطيرا يستدعي سرعة كبيرة في التدبير.

 

وقد يكون ألم الصدر أيضا علامة على احتشاء عضلة القلب، أي النوبة القلبية، نتيجة انسداد كامل في أحد الشرايين بجلطة قلبية، وهي خثرة دموية صغيرة تسد الشريان التاجي الذي قد لا يتجاوز قطره 3 مليمترات، أي ما يقارب قطر خيط السباغيتي الإيطالية.

 

كما يمكن أن يحدث الألم بسبب تشنج مفاجئ في الشريان التاجي حتى من دون وجود انسداد فعلي، وهو ما يعرف بـخناق برنزميتال.

 

ويشير استشاري أمراض القلب إلى ضرورة التذكير بأن أحد أهم العوامل المهيئة لأمراض الشرايين التاجية أو الإكليلية هو التدخين بمختلف أنواعه، سواء السجائر أو الأرجيلة أو الشيشة.

 

وقد يكون ألم الصدر ناتجا أيضا عن التهاب التامور، وهو الغلاف المحيط بالقلب، الذي قد يصاب بالالتهاب بسبب فيروسي في أغلب الأحيان.

 

ومن الأسباب الأخرى، وإن كانت أقل شيوعا، تسلخ الشريان الأبهر الأورطي، وهي حالة نادرة لكنها شديدة الخطورة، وقد تؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم تشخيصها ومعالجتها بسرعة خلال ساعات.

 

ويبلغ معدل الوفاة في هذه الحالة 1 إلى 2% في الساعة، بينما يموت 50% من المصابين بهذا المرض قبل وصولهم إلى المستشفى.

 

 

ثانيا: ضيق التنفس والخفقان.. إشارات لا ينبغي تجاهلها

 

ضيق التنفس هو الشعور بعدم القدرة على أخذ نفس كاف، أو الحاجة إلى بذل مجهود إضافي من أجل التنفس، وقد يظهر أثناء المجهود الشديد أو الخفيف، بل قد يظهر حتى أثناء الراحة أو الاستلقاء.

 

ما الأسباب القلبية وراءه؟

 

يوضح د. طارق أن أكثر الأسباب القلبية شيوعا لضيق التنفس هو قصور القلب، سواء كان انقباضيا، أي مرتبطا بضعف تقلص القلب، أو انبساطيا، أي مرتبطا بضعف استرخاء القلب الذي يحتاج إليه من أجل الامتلاء بالدم المؤكسج قبل ضخه إلى أنحاء الجسم.

 

وفي كلتا الحالتين، يعجز القلب عن إيصال الدم بكفاءة إلى الجسم، فيتجمع السائل في الرئتين، وهو ما يعرف بالاحتقان الرئوي.

 

ويؤدي هذا الاحتقان إلى نقص الأكسجين في الدم، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة فشل القلب، فتتجمع السوائل أكثر في الرئة، وتدخل الحالة في دائرة متواصلة من التدهور.

 

وغالبا ما يزداد ضيق التنفس عند الاستلقاء، بينما يتحسن عند الجلوس.

 

كما يمكن أن يكون ضيق التنفس عرضا مصاحبا لنوبة قلبية، أو أن يكون ناجما عن أمراض صمامات القلب، مثل تضيق أو قصور الصمام الأبهري أو التاجي.

 

وقد ينتج أيضا عن تجمع السوائل حول القلب، أي الانصباب التاموري، الذي يمنع القلب من الاسترخاء بصورة طبيعية، ويعيق عمله، وقد يؤدي إلى هبوط ضغط الدم إذا لم يتم بزل السائل التاموري، أي سحبه وتفريغه، بصورة إسعافية.

 

 

ثالثا: الخفقان القلبي

 

الخفقان هو الإحساس الواعي بنبض القلب، سواء كان سريعا أو قويا أو غير منتظم، أو الشعور كما لو أن القلب «يتوقف» للحظة ثم يعاود النبض.

 

وأحيانا تصف المريضة الخفقان بأنها تشعر برفة تشبه حركة الفراشة داخل صدرها.

 

 

ما الأسباب القلبية وراءه؟

 

ويشرح د. طارق أن أكثر أسباب الخفقان شيوعا هي اضطرابات نظم القلب السريعة، وعلى رأسها الرجفان الأذيني الذي يجعل النبض سريعا وغير منتظم.

 

ومن الأسباب أيضا تسارع القلب فوق البطيني، الذي يبدأ بصورة مفاجئة ويتوقف بصورة مفاجئة، وكذلك خوارج الانقباض المبكرة، سواء كانت أذينية أو بطينية، والتي يشعر بها بعض الأشخاص على شكل «نبضة زائدة» أو «قفزة» في القلب.

 

أما تسارع القلب البطيني فهو من أخطر أنواع الخفقان، لأنه قد يهدد الحياة ويستدعي تدخلا عاجلا.

 

وقد يكون الخفقان أيضا ناتجا عن كسل في العقدة الجيبية الأذينية، وهي المسؤولة عن تنظيم نبض القلب الطبيعي، فيتسارع القلب في بعض الأحيان ويبطؤ في أحيان أخرى.

 

 

رابعا: الدوخة

 

الدوخة هي الشعور بخفة في الرأس، وقد يصاحبها تشوش في الرؤية، أو شعور بأن الرؤية أصبحت نفقية وسوداء، أو الإحساس بقرب حدوث الإغماء.

 

 

ما الأسباب القلبية وراءها؟

 

تحدث الدوخة ذات المنشأ القلبي غالبا عندما يقل تدفق الدم إلى الدماغ بسبب اضطراب في نظم القلب.

 

فقد يكون النبض سريعا جدا، بحيث لا يمنح القلب الوقت الكافي للامتلاء بالدم، أو قد يكون بطيئا جدا، فلا يوفر نتاجا قلبيا كافيا للدماغ.

 

ويشير استشاري أمراض القلب إلى أن الدوخة يمكن أن تنتج أيضا عن هبوط ضغط الدم الانتصابي، أي انخفاض ضغط الدم عند الوقوف، وهو ما قد يرتبط بقصور القلب أو بأدوية القلب نفسها.

 

كما يمكن أن تكون الدوخة ناجمة عن تضيق الصمام الأبهري، الذي يحد من كمية الدم المتدفقة من القلب عبر الصمام، خصوصا أثناء المجهود.

 

 

خامسا: فقدان الوعي أو الإغماء أو الغشي

 

فقدان الوعي هو فقدان مفاجئ ومؤقت للوعي، يؤدي إلى فقدان القدرة على الوقوف وبالتالي السقوط، وينجم عن نقص حاد ومؤقت في تدفق الدم إلى الدماغ، ويعرف طبيا باسم الإغماء (Syncope).

 

 

ما الأسباب القلبية وراءه؟

 

يؤكد د. طارق أبو غزالة أن هذا العرض من أكثر الأعراض التي تستدعي الحذر، لأنه قد ينتج عن اضطرابات نظم خطيرة، مثل تسارع القلب البطيني، أو الحصار القلبي الكامل الذي يؤدي إلى بطء شديد في معدل النبض، وقد يوقف القلب لثوان معدودة.

 

وقد يكون الغشي أيضا علامة على مشكلة بنيوية في القلب، مثل تضيق الصمام الأبهري الشديد، أو اعتلال العضلة القلبية الضخامي.

 

كما يمكن أن يكون عرضا لجلطة رئوية كبيرة تعيق تدفق الدم عبر الرئة بصورة مفاجئة.

 

ويشير الطبيب إلى أن الإغماء الذي يحدث تحديدا أثناء المجهود البدني يعد علامة تحذيرية قوية تستوجب إجراء فحص قلبي عاجل.

 

ومع ذلك، يبقى من المهم الإشارة إلى أن السبب الأكبر للغشي هو الوهط أو الهبوط القلبي الوعائي، الذي يحدث نتيجة تنبه العصب المبهم العاشر، أو العصب الحائر، بسبب الألم أو القلق الشديد أو الإثارة أو غير ذلك من الأسباب.

 

 

متى يتحول العرض إلى حالة طارئة؟

 

ليست كل الأعراض السابقة دليلا بالضرورة على وجود مشكلة قلبية خطيرة، لكن بعض الحالات تستوجب عدم الانتظار وطلب المساعدة الطبية فورا.

 

ومن أبرز العلامات التي تستدعي التدخل الطبي العاجل:

 

  • ألم صدر مفاجئ مصحوب بتعرق بارد أو غثيان أو ألم يمتد إلى الذراع أو الفك.

 

  • ضيق تنفس مفاجئ وشديد، خصوصا أثناء الراحة أو الاستلقاء.

 

  • خفقان مصحوب بألم في الصدر أو دوخة شديدة أو ضيق في التنفس.

 

  • فقدان وعي يحدث أثناء المجهود البدني، أو يتكرر أكثر من مرة.

 

  • دوخة شديدة ومفاجئة مصحوبة بعدم انتظام واضح في النبض.

 

ومع ذلك، فإن هذه الأعراض الخمسة لا تعني دائما وجود مشكلة قلبية؛ فكثير من حالات الدوخة أو الخفقان، على سبيل المثال، قد تكون مرتبطة بالقلق أو الجفاف أو الإكثار من شرب القهوة والشاي أو تناول مشروبات الطاقة التي تحتوي على كميات كبيرة من الكافيين.

 

لكن، كما يوضح د. طارق أبو غزالة، عندما تظهر هذه الأعراض بصورة مفاجئة أو متكررة، أو عندما تظهر عدة أعراض منها في الوقت نفسه، فإن السلامة تقتضي عدم تجاهلها وطلب الفحص الطبي.

 

فالقلب قد يرسل إشارات مختلفة عندما يواجه مشكلة، وقد تكون بعض هذه الإشارات هي الفرصة الأولى لاكتشاف الخطر قبل أن يصبح أكثر تعقيدا.

 

فحين يتحدث القلب، لا يكون كل ما يقوله ألما واضحا؛ فقد تكون الرسالة دوخة، أو ضيق نفس، أو خفقانا، أو حتى لحظة فقدان للوعي. ولهذا، فإن فهم الإشارات والتعامل معها في الوقت المناسب قد يصنع الفارق.