نور الدين العلوي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

 

عمل إعلام الردة بكل قوة ومنهجية على طمس كلمة ثورة من قاموس الشعوب العربية، ومحا كل جملة تتحدث عن الحرية والديمقراطية وقدم في خطة مدروسة الجمل الغرائزية التي تشغل الإنسان ببطنه وفرجه مثل سائمة. لكننا نرى هذا جهدا مخسورا، ونحدس أن الربيع العربي لم يُطمس بل يشتغل الآن تحت الأرض وسيعود مثل بذرة نزل بها غيث فهي تختمر. إنما يحتاج أنصار الربيع إلى صبر طويل لقطف ثمرة المثابرة على المبدأ الأصل الذي دلهم عليه الربيع، ثمرة الحرية والديمقراطية. فمنذ أطلق العسكر المصري تيار الردة عن الربيع حدثت وقائع كثيرة بعضها أحبط جمهور الربيع، ففقد الكثير منه الأمل في الاستئناف وبعضها وضح الرؤية ورسخ الفكرة ويشتغل بقوة على عودة لا يمكن كسرها، وربما يقول مؤرخ حصيف ذات يوم كان يجب أن تقع ردة ليتم غربلة الصفوف ويصطفي الربيع أنصاره المؤمنون. ننبش في خميرة الربيع العربي.

 

 

فشلت الردة في كل وعودها

 

لفلفت الردة جزء كبيرا من الجمهور بخطاب المزايدة على حكومات الثورة، وبثت ما كفى من الخوف لتؤلف الجهلة والمغرضين ومرضى الأيديولوجيات المفوتة من يسار وقوميين لتنهي الانطلاقة العبقرية للربيع بدءا من مصر، دون أن نغفل العدوان الخارجي على الربيع الذي صنع الانقلابات وموّلها وثبّتها سياسيًا وماليا. لكن رغم كل الدعم المالي والسياسي لم تفلح الردة في تحقيق وعد من وعودها، إننا نعاين الفشل التنموي والاجتماعي ونرى الخيبة في عيون المرتدين على الربيع. لقد فشلوا ويكابرون ويعجزون عن التقدم، ويشعرون بالجمهور يضغط بصمت فيرتبكون.

 

من خميرة فشلهم يتخلق وعي جديد؛ لدى قوم عقلاء لم يتجمعوا بعد ولم ينطقوا نصا جديدا. في مصر نطالع مقارنات بين نتائج الانقلاب ونتائج حكم الإخوان القصير، ونسمع عبارات الأسف على الحريات المهدرة. وفي تونس نسمع حديثا مماثلا ويقول قطاع واسع من النخب غير الملوثة بخطاب الأيديولوجيا؛ لم يسجن نهضاوي واحد بتهمة فساد أو مساس بالمال العام، ولم يسجن في عهدهم صحفي واحد ولم يضار حزب في نشاطه ولم تغلق جمعيات، والنتائج الاقتصادية لعشرية الربيع ليست سوداء بل أفضل بما لا يقاس بنتائج ما بعد الانقلاب. ومن ليبيا يصلنا قول دقيق يحصر تقسيم ليبيا وإفشال دولتها الناشئة في رمز الردة حفتر وأولاده. فشل منظومات الردة رصيد للربيع العربي يعيد البوصلة إلى شمالها، والأمر موكل بالصبر.

 

 

طوفان الأقصى خطوة متقدمة على طريق الربيع

 

في خطاب الردة الذي حارب شعار الشعب يريد تحرير فلسطين تقدم لنا معاناة غزة الآن كعلامة فشل حرب الطوفان، ويلح المخذلون على فشل التخطيط الاستراتيجي لمن أطلق المعركة وقادها، متعامين عن صداها في الغرب والشرق؛ حيث تجري انتخابات الكونغرس على إيقاع غزة وطوفانها، ونرى النتائج في تغيير عميق في المزاج السياسي العام للمواطن الغربي الذي رُدم دهرا طويلا تحت السردية الصهيونية. وقد كان هذا الهدف الأسمى لمطلق المعركة؛ فضح الكيان وتدمير سرديته، بثمن قاس جدا لا نخاله إلا قد قدّره صاحب المعركة حق قدره واستعد للصبر عليه، معتمدا على قوم لم يعد لديهم ما يخسرونه إلا قيودهم؛ وقد انكسرت ودُفعت الأثمان اللازمة. لقد نقلت المعركة الأزمة إلى قلب دولة العدو مثلما نقل الربيع الأزمة إلى قلب منظومات الحكم، فكشف فشلها وعجزها إلا من القوة الغاشمة التي لا تحقق تنمية ولا تقدما اجتماعيا.

 

هنا تكامل فعل شعاري الربيع "إسقاط النظام" و"تحرير فلسطين". وحدهم المستعجلون المزايدون يقفون عند لحظة الألم ويبثون الخذلان، ولكن الصبورين المؤمنين بالفعل التراكمي للتاريخ يرون أبعد من مقدمة أحذيتهم. ولذلك يمكنكم الكتابة بثقة أن الربيع تقدم خطوة جبارة بحرب الطوفان، وهو لا يزال يفعل فعله مثل حمض كيماوي في تفتيت صخرة العدو وسرديته وصخور منظومات الردة التي تعيش من بقائه وخدمته؛ وهي تراه الآن ينخذل من داخله ويحسب خسائره ويعجز عن جبرها.

 

لقد هرب إلى الأمام بشن حرب في كامل المنطقة تبدو لنا نتيجتها الوحيدة هي خلخلة منظومات الحكم التي استقرت بفضله، لقد أنشأها وحماها لتحميه من شعوبها لكنه هدم أركانها فهي في اضطراب لا تحسن العودة إلى ما قبله. لقد هدم البيت على رأسه على طريقة شمشوم كما رواها في توراته، ونعزو هذه الحماقة إلى ضغط جمهور الربيع العربي الذي ربط الشعارين بوعي استراتيجي.

 

 

على المؤمنين بالربيع بلورة شعاراته لما بعد الردة

 

من هؤلاء المؤمنون بالربيع؟ إنهم كل طالب حرية وكل رافض للاستبداد ومؤمن بالديمقراطية عبر الصندوق. وهم موجودون في كل مكان ولكننا نعاين شكهم في شعاراتهم واضطرابهم في التنظم، لذلك فهم في وضع القوة الخام التي تحتاج الظهور فوق السطح وتحتاج صوتا عاليا لإعادة كتابة شعارات الربيع كخطوة أولى للنضال من أجلها وتحويلها إلى قاعدة عمل سياسي بعيد المدى.

 

وفي وضع اضطراب منظومات الردة وفشلها في خدمة الناس فإن هذا الظهور والتنسيق يصير ضرورة حتمية يحرضها الوقت وحاجة الناس إلى تبين الطريق للخروج. لقد قدمت الردة ما يكفي من الدروس لكل غيور على الشعارين العظيمين وكل مؤمن بالحرية؛ الاستبداد هو الفشل المطلق والحريات هي بوابة الخروج إلى المستقبل.

 

يوجد جمهور حائر ومضطرب يترقب قيادة شجاعة بخريطة واضحة نظن يقينا أن هذا أوان كشفها للجمهور. إن أحد أهم دروس الردة هي أن هذا الجمهور ملّ الصراعات الأيديولوجية المفوّتة ويستنكف أن يقع تحت عبثيتها مرة أخرى، ولذلك فإن الخطوة المؤسسة لهذا الخريطة هي التحرك خارج المجاميع الأيديولوجية التي ساهمت في إفشال الربيع في موجته الأولى ووجدت نفسها شريكا في الردة برغبة البعض وبغباء الأغلبية.

 

ومن دروس الردة أيضا أن تَرَتَّبَت وبفعل الردة نفسها أولويات الجمهور، فالحرية ثم الحرية ثم التنمية بما تيسر من إمكانيات بعيدا عن تلك الشعارات الكبيرة عن إعادة اكتشاف العجلة وترميم الكرة الأرضية. فذلك الكلام الكبير ليس سوى لعبة لغوية مارستها الأنظمة الفاشلة قبل الربيع، وحاولت استعادتها بالردة لتقود الجمهور إلى حالة من الخراب الاقتصادي والاجتماعي لم يجن الجمهور العريض منها سوى البؤس المستدام.

 

هذه روح متفشية بين قوم كثير وهي خميرة فعالة لزمن قادم ستنضج خبزه بصبر وأناة وتستدعي قيادتها؛ إنما يلزمها صبر طويل وعقل فعال يقدس الحرية ولا يغطي بها ردة أخرى. هنا نعيد تأكيد العنوان: الربيع العربي يشتغل بصمت على تجسيد شعارات دفع فيها دم غزير. النظام مات وقد آن أوان دفنه.