لا يخفى أن المصريين يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة بلغت ذروتها خلال الفترة الأخيرة، مع استمرار موجات التضخم، وتدني الأجور، وتآكل القيمة الشرائية للجنيه.

 

في هذا الإطار، رصد د.عمار علي حسن، االباحث السياسي عبر صفخته في موقع "فيسبوك"، مظاهر سوء الأحوال الاقتصادية في مصر، على النحو التالي:

 

نبش القمامة بحثًا عن الطعام 


الغذاء: تزايد أعداد نابشي القمامة بحثًا عن بقايا طعام، وأعداد من يشترون نفايات اللحوم مثل أرجل الدجاح وهياكله العظمية، وعظام الماشية وأمعائها. وارتفاع معدل استهلاك الخبز، حيث لا يملك الناس بدائل أخرى، أعلى قيمة غذائية، لملء بطونهم. وتراجع عدد موائد الرحمن في شهر رمضان، حيث يصوم المسلمون، أو تدني جودة الأطعمة التي تقدم عليها، وتراجع ذبائح الأضحيات. بل إننا قد نجد، في الأحياء الفقيرة جدًا، أن الحيوانات الضالة من الكلاب والقطط، لا تجد ما يُشبعها في صناديق القمامة، ولذا تبدو للرائي هزيلة وضامرة.


الكساء: زيادة المترددين على الأساكفة، لرتق الأحذية القديمة، وعلى الخياطين لتدوير الياقات البالية للقمصان القديمة، وعلى حرفيي "الرفَّا" لسد فُرج الملابس الممزقة، وارتفاع معدل الإقبال على سوق الملابس المستعملة "البالة"، أو الاحتياج للأقارب الموسرين لتلبية الملابس والأغطية.


الدواء: ازدحام المستوصفات الطبية الرخيصة، وارتفاع الإقبال على المستفشيات الحكومية التي تفتقد إلى إمكانيات حقيقية لتقديم العلاج، وعجز الناس عن شراء أدوية الأمراض المزمنة، أو اكتفائهم بجرعات أقل من الدواء الذي أقره الطبيب، أو البحث عن بدائل أقل سعرا. ويمكن في هذه الناحية، وطالما أننا في مجال الطب، أن نتحدث عن زيادة معدل الإقبال على عيادات الطب النفسي، لانتشار أمراض القلق والاكتئاب الذي يعزى إلى سوء الأحوال المادية، وما قد يؤديه هذا إلى زيادة عدد الهائمين على وجوههم في الشوارع من المصابين بالذهان والفصام والصدمات العصبية الشديدة ومختلف أشكال الاعتلال النفسي.


الإيواء: زيادة عدد المشردين في الشوارع، ممن يفترشون ليلاً الأرصفة، وأسيجة الحدائق، وتحت الجسور، واستمرار الطلب على سكن المقابر، ونشاة بيوت هشة من الصفيح والخشب على أطراف المدن، تفتقد إلى الحد الأدنى من الحياة اللائقة.


انتعاش الأنشطة الاقتصادية الهامشية: حيث تكدس الجالسون في أماكن انتظار العمالة الموسمية أو العابرة "التراحيل"، وزيادة عدد الباعة الجائلين، لا سيما ممن يعرضون على الزبائن سلعًا رخيصة، ويزيد عدد المتسولين، وزيادة عدد بائعي المخلفات والأجهزة المستعملة "الروبابيكيا"، وكثرة التردد على من يقومون بإصلاح الأجهزة الكهربائية الخربة والمعطوبة والمعطلة، وزيادة عدد من يحفرون داخل بيوتهم وفي الصحراء المفتوحة بحثا عن الآثار، من غير تجارها المحترفين، ومن يحلمون بالهجرة لكنهم عاجزين عن توفير نفقاتها سواء كانت شرعية أو غير شرعية.

 

زيادة معدلات الطلاق والعنوسة لأسباب اقتصادية


تردي الأحوال الاجتماعية: مثل زيادة معدلات الطلاق والعنوسة لأسباب اقتصادية، وزيادة عدد المحبوسين لعجزهم عن دفع النفقة للمطلقات، وارتفاع في معدل قضايا التخاصم التي تنظرها المحاكم بين المعسرين من أصحاب الديون الصغيرة، وزيادة عدد النساء الغارمات، وارتفاع الدروشة، وتوالي فتح المقاهي، وازدحامها بالعاطلين، وازدحام وسائل النقل العامة الأرخص سعرًا. 


بالطبع فإن كثيرًا من هذه المظاهر منسية، ولا ترصدها دفاتر الحكومة، لأن من الصعب حصرها، ولذا تبقى أشبه بمؤشرات معطلة لقياس الفقر، لكنها حقيقية، تنبع من الواقع، وتنبض بالحياة، ولذا يحكم بسطاء الناس على جودة الحال الاقتصادية أو رداءتها من التعرض لهذه المظاهر، غير منشغلين في هذا بما تنطق به التقارير الدولية أو ما تتحدث عنه دفاتر السلطة من أرقام حول زيادة معدلات نمو، لا ينعكس على حياتهم أبدا.


ظاهرة اجتماعية دائمة: وهناك ظواهر اجتماعية يمكن أن نقيس بها التغيرات التي طرأت على التركيبة الطبقية في مصر، حال أعملنا فيها أدوات البحث الميداني، وبعضها يبوح بأسرار تفيد في هذا الاتجاه بمجرد الرؤيا، أو الملاحظة دون مشاركة، ويتهادى فهمها حتى للإنسان البسيط، الذي انخرط في أوساط الناس، يتأمل أحوالهم، ويسمع شكواهم، ويدرك مراميها.


من هذه الظواهر "موائد الرحمن" التي هي تقليد مصري ممتد عبر الزمن، ولا تخلو منها مدينة مصرية، وتحول التقاليد الاجتماعية في الريف دون وجودها، إذ يفضل الناس هناك أن يتضوروا جوعًا عن أن يجلسوا إلى مائدة ثري أو ميسور الحال، ويراهم أهل القرية، الذين يعرف بعضهم بعضًا. لكن رقيقي الحال في القرى يقبلون المساعدات الخفية، عينية كانت أو نقدية.


وقال حسن: اعتدت منذ سنوات أن أنظر إلى "موائد الرحمن" نظرة الباحث في علم الاجتماع السياسي، كونها تحمل الكثير من المعاني التي تمس هذا العلم، فهي انعكاس لأشياء كثيرة منها التماسك الاجتماعي، والتعاون والتكافل من منظور ديني، وحال الفقراء الذين يجدون في شهر رمضان فرصة لتناول وجبة إفطار يومية، لا يقدرون على توفير مثلها في بيوتهم، وهذا يؤشر كله على انعكاس السياسات الاقتصادية على أوضاع الطبقات الاجتماعية في البلاد، سواء القادر الذي يعد المائدة، أو العاجز الذي يجلس إليها. 


لهذا، ركبت سيارتي لأطوف على بعض "موائد الرحمن"، فانتبهت إلى أن عدد الذين أحسبهم من فئة الموظفين أو حتى من كانوا ينتمون سابقًا إلى الطبقة الوسطى باتوا من رواد هذه الموائد الدائمين، ولم يعد بعضهم يجد حرجًا أو خجلًا من الجلوس إليها، حتى لو رآه جيرانه أو معارفه. 


كان في الموائد التي طفت بها رجال مهندمون يجلسون في انتظار الإفطار، وبعضهم يقرأ القرآن أو في صحيفة أو كتاب، ليروض الوقت العصيب عليه حتى يحين موعد الإفطار. كذلك نسوة وفتيات يبدو مظهرن أنهن ينتمين إلى من كانوا في السابق من مساتير الناس.