تطرح خطة استخدام بصمة الوجه للتعاقد على خطوط المحمول في مصر سؤالًا يتجاوز منع التزوير: لماذا يُطلب من المواطن تسليم مزيد من بياناته الحساسة، بينما تظل مسؤولية المتورطين في تسجيل خطوط باسمه دون علمه معلقة؟

 

وبين وعود التحقق الآلي وتحذيرات خبراء أمن المعلومات، تواجه الحكومة انتقادات لتقديم توسيع جمع البيانات باعتباره مخرجًا من أزمة رقابية، دون إجابات تفصيلية معلنة تحسم جهة الاحتفاظ بالبصمات وحدود استخدامها وآليات حمايتها ومحاسبة المخالفين.

 

 

بيانات المواطنين تدفع ثمن الفشل

 

يرفض الدكتور محمد عزام، خبير أمن المعلومات، استخدام الخصائص البيومترية لإبرام عقود المحمول، معتبرًا أن تسجيل أرقام ببطاقات المواطنين دون معرفتهم لا يُعالج بإضافة بيانات أشد حساسية إلى إجراءات التعاقد.

 

ويصف عزام تسجيل الخطوط دون علم أصحاب البطاقات بأنه تزوير وجريمة بحق المواطنين، لأن الخط المجهول قد يُستخدم في ارتكاب جريمة أو إنشاء محفظة إلكترونية يتحمل صاحب الهوية تبعاتها المحتملة.

 

هذا التشخيص يعيد الأزمة إلى أصلها: منظومة سمحت بمرور تعاقدات غير مشروعة، وأطراف امتلكت بيانات المواطنين واستخدمتها دون موافقتهم، ورقابة لم تمنع وقوع التجاوزات قبل اكتشافها، بما يستدعي التحقيق والمحاسبة.

 

لكن الطرح الحكومي يجعل وجه المواطن محور الحل، بينما لا يقدم النص المعروض تفاصيل إجراءات عقابية بحق المسؤولين عن التسجيل المخالف، أو نتائج تحقيقات تحدد كيف جرى تجاوز ضوابط التعاقد.

 

والنتيجة السياسية لهذا الاختيار قاسية: المواطن الذي تعرضت هويته لسوء الاستخدام يُطلب منه تقديم مفتاح إضافي لهويته، فيما يبقى السؤال عن مسؤولية الشركات والجهات الرقابية قائمًا بلا إجابة كافية ومحددة.

 

ويحذر عزام من معالجة مشكلة بمشكلة أخرى، مشددًا على رفض الحصول على الخصائص البيومترية مقابل عقد هاتف، ومطالبًا بحماية مشددة للبيانات إذا جرى تطبيق الإجراء، وأن يكون تطبيقه مؤقتًا ومحددًا.

 

ولا يعني ذلك أن المطابقة الإلكترونية عديمة الفائدة، وإنما أن تقليل احتمالات انتحال الهوية لا يكفي وحده لتبرير توسيع جمع البيانات، دون بيان الضرورة والبدائل ونطاق الاستخدام والمسؤولية عند الإخفاق.

 

فمكافحة التزوير تحتاج إلى مواجهة مساره داخل منظومة البيع والتسجيل، ومراجعة صلاحيات الموظفين، والتحقيق في التعاقدات المشبوهة، بدل اختزال الأزمة كلها في التأكد من وجه الشخص الذي يطلب شراء الخط.

 

وحين تغيب المحاسبة الواضحة عن واجهة المعالجة، يصبح التشدد مع المواطن أسهل من إصلاح المنظومة؛ وتتحول الخدمة اليومية إلى مطالبة جديدة بالثقة، رغم أن أصل المشكلة هو إساءة استخدام الهوية.

 

 

وعود الحماية لا تجيب المخاوف

 

يطرح الدكتور محمد عزام، خبير أمن المعلومات، أسئلة مباشرة حول الجهة التي ستحتفظ بالبيانات: هل تكون لدى الشركات وفروعها، أم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وكيف تُضمن سريتها وتُمنع إساءة استخدامها؟

 

ويقول محمد إبراهيم، النائب التنفيذي والمتحدث الرسمي باسم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إن البيانات المرتبطة بالبصمة لن تكون متاحة للشركات، وإن التحقق يستهدف منع التلاعب الذي وقع في تسجيل الخطوط.

 

غير أن نفي وصول الشركات لا يجيب وحده عن بقية الأسئلة؛ فالجهة التي تدير التحقق، ومدة الاحتفاظ بالبيانات، وطبيعة المعلومات المخزنة، وضوابط الوصول إليها، عناصر أساسية لتقييم الحماية الموعودة فعليًا.

 

كما أن الإعلان عن مطابقة آلية دون تدخل بشري يشرح جانبًا من التشغيل، لكنه لا يقدم بذاته ضمانة ضد إساءة الاستخدام، ولا يوضح كيف تُراجع المنظومة أو تُكتشف تجاوزاتها المحتملة.

 

ويؤكد عزام أن الخصائص البيومترية بيانات حساسة لا تحتمل الاستهانة، ويرى أن الحصول على خط هاتف لا يستدعي استخدامها، وهو اعتراض على تناسب الإجراء مع الخدمة التي يسعى المواطن للحصول عليها.

 

ومن هنا تنشأ مخاوف المراقبة والتتبع، بوصفها مخاطر تستوجب إجابات وضمانات، لا وقائع مثبتة بمجرد طرح النظام؛ فالنقاش الجاد يحتاج إلى تحديد ما يسمح به التصميم وما تمنعه ضوابط الاستخدام.

 

أما الاكتفاء برسائل الطمأنة فيترك مساحة واسعة للقلق، خصوصًا عندما يُطلب من الناس قبول معالجة بيانات وجوههم قبل توضيح حدود العملية، ومن يراقب القائمين عليها، وكيف يتظلم المتضرر من نتائجها.

 

والحكومة مطالبة بتقديم قواعد مفهومة وقابلة للمراجعة، تحدد الغرض الحصري للتحقق، والمسؤولية عن أي تسريب، وآلية التحقيق في الشكاوى، بدل التعامل مع الاعتراضات كأنها مجرد مقاومة للتطور التكنولوجي أو سوء فهم لمزاياه.

 

فالاعتراض هنا يمس ميزان السلطة بين المواطن والجهات الحائزة لبياناته؛ وكل توسع في جمع المعلومات يحتاج إلى تبرير وضوابط، ولا تكفي لتسويغه الإشارة إلى مخالفات أخفقت المنظومة سابقًا في منعها.

 

 

بدائل الإصلاح تصطدم بالحل الحكومي

 

يقترح الدكتور محمد عزام، خبير أمن المعلومات، إتاحة إلغاء الخطوط المسجلة دون علم أصحابها مباشرة عبر تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع إضافة أسباب الإلغاء وتسهيل الإجراءات أمام المواطنين المتضررين.

 

ويشير عزام إلى إمكانات منصة مصر الرقمية في ربط رقم الهاتف بالرقم القومي، ويطالب بتفعيل قانون حماية البيانات الشخصية ووضع ضوابط واضحة للتعامل مع المعلومات، بدل التوسع غير المبرر في طلبها.

 

وتضع هذه المقترحات حق المواطن في السيطرة على الخطوط المرتبطة بهويته في مقدمة الإصلاح، وتوجه الجهد نحو إزالة آثار التجاوزات القائمة، بدل تحميله وحده عبء الاستجابة لنظام تحقق جديد ومثير للقلق.

 

في المقابل، يوضح المتحدث باسم الجهاز أن شراء الخط سيصبح ممكنًا عبر الهاتف أو الفرع، وأن المطابقة الفنية للوجه مع صورة بطاقة الرقم القومي ستكون شرطًا للسماح بإتمام التعاقد وتسليم الخط.

 

لكن سهولة فتح الكاميرا من المنزل لا تحسم أسئلة الخصوصية، كما أن منع الموظف من تجاوز المطابقة لا يشرح طريقة معالجة الرفض الخاطئ أو تمكين المواطن من الاعتراض واستعادة حقه في الخدمة.

 

المعيار الحقيقي لأي إصلاح هو قدرته على منع التزوير وحماية المتضررين معًا، وإلزام الشركات بمسؤولياتها، وتوفير مسار سريع للشكاوى، وإعلان نتائج المحاسبة، وتقليل البيانات المطلوبة إلى القدر الذي تبرره ضرورة واضحة.

 

وحتى تتضح هذه الضمانات، يبقى النقد الأساسي قائمًا: الحكومة تقدم وجه المواطن بوصفه بوابة الأمان الجديدة، بينما تبدأ استعادة الثقة بمحاسبة من أساء استخدام هويته، وإغلاق منافذ التلاعب، واحترام حقه في حماية بياناته.