أعادت خسارة شبكة أنفاق علي الطاهر طرح الأسئلة حول مستقبل القوة العسكرية لحزب الله، بعدما أعلنت إسرائيل تدمير موقع محصن في جنوب لبنان، ضمن ضربات متلاحقة استهدفت قياداته ومخازنه ومناطق انتشاره خلال السنوات الأخيرة، منذ اندلاع المواجهات على الحدود.
ورغم جسامة الخسائر، لا تعتبر التقديرات العسكرية الواردة في المعطيات المتاحة أن الحزب فقد قدرته بالكامل، لكنها تشير إلى تقلص خياراته الميدانية، بالتزامن مع ضغوط داخلية لحصر السلاح بيد الدولة وتراجع طرق الإمداد الإقليمية وتزايد صعوبة تعويض الخسائر المتراكمة.
ضربة تطال عمق التحصينات الجنوبية
أعلن الجيش الإسرائيلي تفجير شبكة الأنفاق يوم الخميس العاشر من سبتمبر، بعد نحو أسبوع من إعلان السيطرة على مرتفع علي الطاهر، الذي يشرف على مدينة النبطية ويبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن الحدود.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، احتوت الشبكة على عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية الصنع وأسلحة أخرى، بينما تشير تقديرات خبراء إلى أن إنشاء هذه التحصينات استغرق عقدين، وربط مواقع موزعة بين عدد من قرى المنطقة.
وتكمن أهمية الموقع في الجمع بين التخزين والتحصين والاتصال الجغرافي، ما يجعل خسارته أوسع من تدمير منشأة منفردة، ويفرض على الحزب تحديات تتعلق بحماية عناصره والمحافظة على قدرته على الحركة في المناطق المحيطة.
ووصف العميد المتقاعد في الجيش اللبناني خليل جميّل تدمير الموقع بأنه خسارة كبيرة، معتبرًا أن إنشاء شبكة مماثلة يحتاج إلى عقود، وأن الحزب أصبح مكشوفًا في المنطقة المحيطة بالمرتفع بعد فقدان هذه التحصينات.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن السيطرة على المرتفع قد تفتح الطريق نحو النبطية، لكن هذا الاحتمال يظل تقديرًا لمسار العمليات، ولا يعني أن التقدم إلى المدينة أصبح نتيجة محسومة بمجرد تدمير شبكة الأنفاق.
في المقابل، قدم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس العملية باعتبارها تعزيزًا لمنطقة أمنية تسمح بتهديد الحزب داخل لبنان، وهي تصريحات تعكس أهداف إسرائيل المعلنة، ولا توفر وحدها تقييمًا مستقلًا لما تبقى من قدراته.
قدرات باقية رغم تراجع الحركة
يرفض جميّل مساواة خسارة علي الطاهر بانكسار حزب الله عسكريًا، في تمييز بين فقدان موقع استراتيجي وانهيار التنظيم المسلح، خصوصًا مع استمرار الحديث عن احتفاظه بمواقع أخرى خارج المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل.
وبحسب التقديرات الواردة، يحتفظ الحزب بمواقع رئيسية في إقليم التفاح ومرتفعات جزين، إضافة إلى مناطق في البقاع وشرق لبنان وشماله الشرقي، ما يشير إلى استمرار وجود بنية عسكرية رغم الضربات الإسرائيلية المتلاحقة.
غير أن الاحتفاظ بمواقع لا يكفي وحده لقياس الجاهزية القتالية، إذ تبقى قدرة الحزب على التنسيق وتعويض الخسائر وتأمين الإمدادات عناصر حاسمة، في ظل غياب بيانات مستقلة تفصيلية عن مخزونه وتسلسل قيادته الحالي.
ويرى الخبير العسكري حسن جوني أن عدم خوض معركة حاسمة للدفاع عن علي الطاهر مؤشر ضعف، لكنه يصف خسارة الموقع بأنها دون مستوى النكسة، مقارنة بالضربات السابقة التي استهدفت قادة الحزب ومناطق انتشاره.
ويعكس هذا التقييم تراجعًا في القدرة على حماية المواقع الثابتة، مع بقاء احتمالات استمرار العمل العسكري، وهو فارق أساسي بين إضعاف قوة مسلحة وإثبات انتهاء قدرتها على القتال أو إعادة تنظيم صفوفها لاحقًا.
وبحسب النص المتاح، لم يعلن الحزب هجمات على القوات الإسرائيلية منذ يونيو، إثر تفاهم أميركي إيراني لإنهاء الحرب الإقليمية، بينما استمرت الغارات والتفجيرات الإسرائيلية، ما يزيد صعوبة الفصل بين ضبط التصعيد والعجز الميداني.
خسائر عسكرية وضغوط سياسية متزايدة
تراكمت خسائر الحزب خلال مواجهتين، بدأت الأولى في أكتوبر عام 2023 دعمًا لحماس، والثانية في مارس دعمًا لإيران، وفق المعطيات الواردة، وسط استنزاف شمل المقاتلين والقيادات والبنية العسكرية ومواقع الانتشار في جنوب لبنان.
وكان اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله في سبتمبر عام 2024 من أبرز الضربات، بعدما سبقه تفجير أجهزة بيجر ولاسلكي استخدمها عناصر الحزب، بما أظهر حجم الاختراق الذي تعرضت له منظومته الأمنية.
كما فقد الحزب طريق إمداد رئيسيًا عبر سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد أواخر عام 2024، الأمر الذي يضيف عقبة أمام تعويض الأسلحة والمعدات، بالتزامن مع الضربات التي تلقتها إيران خلال الحرب الإقليمية.
ولا تسمح حصيلة الضحايا اللبنانيين بتحديد خسائر الحزب البشرية، فالسلطات أحصت أكثر من ثمانية آلاف وتسعمئة قتيل بضربات إسرائيلية منذ عام 2023، بينما لا يعلن الحزب عدد مقاتليه الذين قتلوا خلال هذه المواجهات.
داخليًا، يواجه الحزب توجهًا أعلنه الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، فيما يستمر الخلاف حول ترسانته، واتهامات خصومه بتوظيفها لخدمة الأهداف الإيرانية على حساب المصالح اللبنانية.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن حزب الله يواجه انكماشًا عسكريًا وضغطًا سياسيًا متزامنين، لكن الجزم بانتهاء قوته يتجاوز الأدلة المتاحة، بينما يبقى مستقبل دوره مرتبطًا بقدرته على التعافي ومسار المواجهة وموقف الدولة اللبنانية من استمرار احتفاظه بترسانته العسكرية.

