تواجه 360 أسرة بمساكن غزل دمياط خطر فقدان بيوتها بعد أكثر من 50 عاما من الاستقرار بها، بحسب الاستغاثة التي وجهها الأهالي إلى المحافظ، بعدما حملت إنذارات الإخلاء تهديدًا لاستقرار سكان قضوا عقودًا داخل مجتمع ارتبطت حياته بالمصنع.

 

 

 

وتختصر عبارة «هنروح فين واحنا في السن ده» مأزق أصحاب المعاشات وأسر العمال، وتضع الحكومة أمام سؤال قاسٍ عن مصير من أفنوا سنواتهم في الإنتاج، ثم أصبح بقاؤهم بمنازلهم مهددًا.

 

 

عقود السكن تواجه إنذارات الطرد

 

يقول سكان إن بحوزتهم عقود إيجار موثقة مع الشركة منذ عام 1998، وإنهم واصلوا سداد المستحقات، ويتمسكون بهذه المستندات في مواجهة وصف إقامتهم بأنها وضع يد يستوجب مغادرة الوحدات.

 

ويطالب الأهالي بفحص العقود ومراجعة الأساس الذي استندت إليه الإنذارات، بدل التعامل مع الأسر باعتبارها عقبة إدارية، خصوصًا مع وجود أصحاب معاشات وأرامل يقولون إنهم لا يمتلكون مأوى بديلًا.

 

وفي شهادة منشورة، يربط المواطن توفيق محمود فؤاد إقامة أسرته بالمساكن بعام 1979، موضحًا أن والده عمل بالشركة منذ 1965، وأن والدته وشقيقته ما زالتا تقيمان بإحدى وحداتها السكنية.

 

وتكشف هذه الشهادة امتداد العلاقة بين العمل والسكن عبر أجيال، لكنها تجعل مراجعة تاريخ كل أسرة ضرورية، حتى لا تختزل الإدارة أوضاع السكان المختلفة في إجراء جماعي يتجاهل ظروفهم ومستنداتهم.

 

وفي قراءته العامة لسياسات الإسكان، ينتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني انسحاب الدولة من توفير السكن الميسر، ويرى أن إخضاع احتياجات المواطنين لمنطق السوق يفاقم الأعباء الواقعة على محدودي الدخل.

 

ويطرح الميرغني دعم التعاونيات وزيادة الاستثمار الحكومي في الإسكان ضمن مسارات المواجهة، وهو منظور يضع توفير المأوى ضمن مسؤوليات الدولة، بدل ترك الأسر منفردة أمام تكلفة الحصول عليه وشروط تمويله.

 

وبالاستناد إلى هذا المنظور، تبرز أزمة دمياط باعتبارها اختبارًا للوظيفة الاجتماعية للشركات العامة؛ فإدارة الأصول ينبغي أن تتضمن حساب مصير السكان، وأن تكشف تكلفة القرارات على الأسر قبل الشروع فيها.

 

ولا تكفي الإشارة إلى ملكية الشركة للمباني لإغلاق النقاش الاجتماعي، كما لا تحسم مدة الإقامة وحدها النزاع؛ المطلوب إتاحة المستندات وفحصها، وإعلان حلول واضحة تحمي السكان من الوقوع في الفراغ.

 

وتتحمل الجهات الحكومية المعنية مسؤولية تقديم تفسير معلن لما يجري، يشمل أسباب الإنذارات وموقف العقود وخيارات التسوية، لأن ترك التفاصيل غامضة يحول كل ورقة تصل إلى السكان إلى مصدر خوف جديد.

 

 

الشيخوخة تدفع ثمن غياب الحماية

 

خطر الإخلاء بالنسبة لكبار السن يتجاوز نقل الأثاث وتغيير العنوان؛ فقد يعني الابتعاد عن الأقارب والجيران والخدمات المعتادة، وتحمل أعباء انتقال لا تتناسب مع حالتهم الصحية أو قدرتهم المالية المحدودة.

 

وحين ترتبط حياة الأسرة بمكان واحد طوال عقود، يصبح الجوار جزءًا من شبكة المساندة اليومية، ولذلك ينبغي تقييم أثر الرحيل على العلاقات والرعاية، إلى جانب النظر في مساحة أي وحدة بديلة.

 

وفي تحليله العام لتعديلات الإيجار القديم، يحذر يحيى شوكت، الباحث والمحلل لسياسات الإسكان والعمران، من أن الإخلاءات وارتفاع الإيجارات قد يدفعان أسرًا إلى مناطق أقل جودة وخدمات، ويعمقان اضطراب المجتمعات المحلية.

 

ويرى شوكت أن التعويل على الإسكان الاجتماعي بوصفه بديلًا فوريًا يتجاهل الفجوة بين الوحدات المتاحة وحجم الاحتياج، ويشدد على ضرورة الحصر الدقيق والتعامل بحذر مع المساكن المأهولة التي تحتاجها الأسر.

 

وتفيد هذه القراءة في فهم مخاطر فقدان السكن بدمياط، دون افتراض تطابق الوضع القانوني بين الملفين؛ فالسؤال الاجتماعي المشترك يتعلق بقدرة الأسرة على تأمين مأوى مناسب إذا اضطرت إلى الرحيل.

 

ومن هنا، فإن أي حديث عن بدائل يجب أن يحدد الموقع والتكلفة وموعد التسليم وشروط الانتفاع، لأن الوعد المجرد لا يتيح لصاحب معاش معرفة ما إذا كان قادرًا على مواصلة حياته.

 

كما يتعين أن تشمل دراسة الحالات احتياجات الأرامل والمرضى ومن يعتمدون على مساعدة أقارب قريبين، حتى لا يتحول توفير وحدة بعيدة إلى حل شكلي ينقل المعاناة ويضيف إليها نفقات جديدة.

 

وتبدو قسوة الإنذارات في أنها تضع عبء البحث عن النجاة على السكان أولًا، بينما يفترض أن تبدأ معالجة نزاع بهذا الحجم بحوار ومراجعة اجتماعية، خصوصًا عندما تكون الشركة مرتبطة بالدولة.

 

والاختبار الحقيقي للمحافظة والجهات المالكة هو قدرتهما على تقديم ضمانات قابلة للتنفيذ، فاستقبال الشكاوى وحده لا يحمي بيتًا، وإحالة الاستغاثة بين المكاتب لا تمنح أسرة قلقة إجابة عن مصيرها المقبل.

 

 

مسؤولية الحكومة تبدأ بحماية السكان

 

وتربط الدكتورة دينا نصار، في دراستها عن قضية الإسكان التي نقل عنها الميرغني، تدهور الإسكان الشعبي والصناعي بتراجع الاهتمام بمحدودي الدخل والتحول نحو سياسات السوق، بما أضعف فرص توفير مساكن مناسبة.

 

وتساعد هذه القراءة التاريخية على وضع الملف داخل سؤال أوسع عن مصير الإسكان المرتبط بالصناعة، وكيف يمكن حماية استقرار الأسر التي تشكلت حياتها حول المصانع عندما تتغير توجهات الإدارة وأولوياتها.

 

وفي دمياط، ينبغي أن تبدأ الاستجابة العملية بحصر معلن للأسر والوحدات والعقود، مع تمثيل السكان في المناقشات، وتوفير مراجعة مستقلة للمستندات، حتى لا تنفرد الجهة صاحبة الإنذارات بتحديد مسار الأزمة.

 

ويجب أن تقترن المراجعة بطلب واضح لتعليق إجراءات الإخلاء لحين بحث الحالات والحلول، لأن التفاوض تحت تهديد فقدان المنزل يضعف قدرة السكان على مناقشة البدائل، ويحول الحاجة إلى وسيلة ضغط.

 

وتشمل الخيارات التي تستحق البحث تسوية أوضاع الإقامة، أو الاتفاق على انتفاع مستقر بتكلفة محتملة، أو توفير بديل مناسب قبل المغادرة، وفق طبيعة العقود ونتائج الفحص وظروف كل أسرة.

 

ولا تتضمن المواد المتاحة ردًا تفصيليًا من الشركة يشرح أسباب الإنذارات أو يعرض خطة لمعالجة آثارها، وهو نقص يستوجب المطالبة بالإفصاح، دون اختلاق مبررات للإدارة أو الجزم بنتيجة النزاع مسبقًا.

 

وإذا كانت الحكومة تتحدث عن تطوير الصناعة، فإن مصداقية هذا الخطاب ترتبط أيضًا بكيفية تعاملها مع العمال وأسرهم؛ فالتطوير يفقد معناه الاجتماعي عندما يصاحبه خوف من ضياع أبسط مقومات الاستقرار.

 

وتبقى استغاثة أهالي مساكن غزل دمياط مطالبة بإجابة عملية عن مصير بيوتهم، وعلى المسؤولين تقديمها قبل أن تتحول إنذارات الطرد إلى مأساة جديدة يدفع ثمنها من قضوا أعمارهم في خدمة المصنع.