واصلت أسعار النفط ارتفاعها خلال تعاملات اليوم الخميس، مدفوعة بتصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة في منطقة الخليج، مع تجدد المواجهات بين إيران والولايات المتحدة وتزايد القلق من انعكاس التوترات العسكرية على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.5% لتصل إلى 102.26 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.8% إلى 97.90 دولار. وبذلك أصبح خام برنت أعلى بنحو 30% مقارنة بالمستويات المنخفضة التي سجلها في بداية أغسطس، في مؤشر على اتساع علاوة المخاطر التي تضيفها التطورات الجيوسياسية إلى أسعار الخام.
ولا يرتبط صعود النفط بالتصعيد العسكري وحده، إذ تركز الأسواق بصورة أكبر على احتمال تعرض حركة الإمدادات والشحن البحري لمزيد من الاضطرابات خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا اتسع نطاق المواجهات أو طال أمدها.
التوتر العسكري يضغط على سوق النفط
تأتي المكاسب الجديدة في أسعار النفط بالتزامن مع عودة المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، بعد عدم التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وهو ما أعاد المخاوف بشأن مستقبل تدفقات الطاقة في المنطقة إلى واجهة الأسواق.
وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إمكانية توجيه ضربات إلى موقع "بيكأكس ماونتن" في إيران، كما أشار إلى احتمال استمرار الحرب إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
وفي المقابل، أعلنت إيران أنها هاجمت 10 سفن بالقرب من مضيق هرمز، وذلك بعد إعلان الولايات المتحدة إغراق خمس ناقلات نفط إيرانية. كما توعد الحرس الثوري الإيراني بتصعيد الرد في حال تعرضت إيران لهجمات جديدة.
وتتعامل أسواق النفط مع هذه التطورات باعتبارها خطرًا محتملًا على الإمدادات، حتى في حال عدم توقف كميات كبيرة من الإنتاج بشكل فوري. فمجرد ارتفاع احتمالات تعطل حركة الناقلات أو صعوبة وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية يكفي لدفع المتعاملين إلى إضافة علاوة مخاطر إلى الأسعار.
ومن هنا، فإن استمرار النفط فوق مستوى 100 دولار لخام برنت لا يعكس بالضرورة نقصًا فعليًا يعادل حجم المخاوف الحالية، وإنما يعبر أيضًا عن تسعير الأسواق لاحتمالات حدوث اضطرابات أكبر في المستقبل.
هرمز يظل بؤرة الخطر الرئيسية
يحتل مضيق هرمز موقعًا محوريًا في أزمة الطاقة الحالية، نظرًا إلى أهميته الكبيرة بالنسبة لحركة النفط والغاز عالميًا. وقبل اندلاع الحرب، كانت المنطقة تمرر ما يقارب خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، بينما أصبحت التدفقات الحالية أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع.
وتكمن خطورة استمرار هذا الوضع في إمكانية انتقال المخاوف الجيوسياسية من مجرد عامل يرفع الأسعار إلى أزمة فعلية في المعروض العالمي، إذا استمرت القيود على حركة السفن لفترة طويلة أو توسعت الهجمات لتشمل المزيد من الناقلات أو منشآت الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بسلاسل الإمداد.
ويضع ذلك شركات الشحن ومشتري الخام أمام بيئة أكثر تعقيدًا، إذ لا تقتصر المخاطر على توافر النفط في مناطق الإنتاج، وإنما تمتد إلى القدرة على نقله بأمان إلى الأسواق المستوردة.
وفي حال تعرض المزيد من السفن لهجمات أو تعطلت مسارات الملاحة، يمكن أن ترتفع تكاليف التأمين والنقل، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة إلى أسعار النفط والمنتجات البترولية حتى قبل ظهور نقص كبير في الكميات المتاحة.
مخاطر متزامنة في البحر الأحمر
ولا تقتصر المخاطر التي تواجه تجارة الطاقة على مضيق هرمز، إذ تتزايد الضغوط أيضًا في البحر الأحمر، مع تكثيف جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران هجماتها على السعودية.
ويعني تزامن التوترات في أكثر من مسار بحري رئيسي أن أسواق الطاقة تواجه مخاطر متعددة في الوقت نفسه، خصوصًا أن أي اضطراب في طرق الشحن قد يؤدي إلى إطالة مسارات النقل ورفع تكاليف التأمين والتشغيل.
ويزيد هذا الوضع من حساسية السوق تجاه الأخبار العسكرية والأمنية، إذ أصبحت حركة السفن وسلامة خطوط الملاحة عنصرًا أساسيًا في تحديد اتجاه أسعار الخام إلى جانب عوامل الإنتاج والاستهلاك التقليدية.
تقلبات تضرب عقود الطاقة
وامتدت تحركات الأسواق إلى عقود الطاقة الأخرى، وإن لم تتحرك جميعها في الاتجاه نفسه. فقد تراجع عقد زيت التدفئة بنسبة 0.9% إلى 4.7569 دولار، بينما ارتفع البنزين بنسبة 1.1% إلى 3.2474 دولار، في حين انخفضت عقود الغاز الطبيعي بنسبة 0.9% إلى نحو 2.794 دولار.
وتكشف هذه التحركات عن اختلاف طبيعة العوامل المؤثرة في كل سوق من أسواق الطاقة. فأسعار البنزين وزيت التدفئة ترتبط بدرجة كبيرة بحركة الخام وقدرات التكرير والتوزيع، بينما يتأثر الغاز الطبيعي بعوامل أخرى تشمل مستويات الإنتاج والطلب ومسارات الإمداد المتاحة.
الصين تدعم الطلب على الخام
رغم أن العامل الجيوسياسي يحتل صدارة المشهد حاليًا، فإن مستقبل أسعار النفط لن يتحدد بالإمدادات وحدها، إذ يمثل الطلب العالمي عنصرًا حاسمًا في قدرة الخام على مواصلة الصعود.
وتبرز الصين بشكل خاص باعتبارها أكبر مستورد للخام عالميًا، ولذلك تراقب الأسواق عن كثب مستوى مشترياتها واتجاه الطلب على النفط في الاقتصاد الصيني.
ووفقًا لمحللي بنك ING، رفعت الصين مشترياتها من الخام خلال الأسابيع الأخيرة، بعد فترة من ضعف الطلب، وهو ما ساهم في دعم السوق الفعلية للنفط.
ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر في ظل المخاطر الحالية على جانب المعروض، إذ إن استمرار ارتفاع المشتريات الصينية بالتزامن مع تراجع الإمدادات أو زيادة المخاطر على حركة الشحن قد يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار.
وفي المقابل، فإن تراجع الواردات الصينية قد يحد من قدرة النفط على الاحتفاظ بمكاسبه، حتى في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، لأن ضعف الطلب قد يقلل من تأثير المخاوف المتعلقة بالإمدادات.

