قد يبدو الحفاظ على ذاكرة جيدة، خصوصًا مع التقدم في العمر، رغبةً تكاد تكون عامة لدى الجميع. كم مرة توقفت أثناء سرد قصة عن صديق لأن اسمه اختفى فجأة من ذاكرتك؟ وقد تدفعنا مثل هذه المواقف اليومية المزعجة إلى الاعتقاد بأن قدرتنا على استدعاء المعلومات ستواصل التراجع مع مرور السنوات، لكن سوزان كراوس ويتبورن، أستاذة فخرية في علم النفس والعلوم العصبية، تشير إلى أن هناك أسبابًا تدعو إلى التفاؤل، إذ تظهر أبحاث جديدة أن بعض السمات الشخصية قد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأداء الذاكرة والقدرات المعرفية.
العلاقة بين الذاكرة وسمات الشخصية
تشير دراسة جديدة أجراها يانيك ستيفان وزملاؤه في جامعة مونبلييه عام 2026 إلى أن الذاكرة ليست قدرة ثابتة، بل يمكن تعديلها، كما قد ترتبط بصورة مفاجئة بجوانب تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن القدرات العقلية، ومنها الشخصية.
ويستند الباحثون إلى دراسات سابقة أظهرت ارتباط المجالات الخمسة الكبرى للشخصية، المعروفة باسم «نموذج العوامل الخمسة» (FFM)، بأنماط التغير في الذاكرة خلال مراحل البلوغ والتقدم في العمر.
فعلى سبيل المثال، يواجه الأشخاص الذين ترتفع لديهم سمة العصابية، وهم الأشخاص الأكثر ميلًا إلى القلق والحزن، صعوبات أكبر في التذكر، ويحتاجون إلى وقت أطول لإنجاز المهام، كما يواجهون مشكلات أكثر عندما يضطرون إلى الانتقال من استراتيجية إلى أخرى أثناء حل مشكلة.
في المقابل، يحقق الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة مرتفعة من الضمير الحي والانفتاح على الخبرات الجديدة أداءً أفضل في هذه القدرات تحديدًا. ويربط الباحثون كذلك بين ارتفاع العصابية وانخفاض الضمير الحي وبين زيادة خطر الإصابة بالخرف.
وتظهر الانبساطية، وهي السمة الرابعة في نموذج العوامل الخمسة، ارتباطات إيجابية أيضًا بالذاكرة، بينما لا يبدو أن التوافق، وهو العامل الخامس، يمنح ميزة واضحة أو يفرض ضررًا محددًا على الذاكرة.
وخلص ستيفان وزملاؤه إلى أن سمات الشخصية ترتبط بالقدرات المعرفية عبر مسارات متعددة تشمل العوامل السلوكية والنفسية والبيولوجية والصحية.
وقد تمنح هذه النتائج قدرًا من الأمل للأشخاص المنفتحين على التجارب الجديدة والاجتماعيين الذين يتسمون بالحذر وتحمل المسؤولية. وحتى بالنسبة إلى من لا تنطبق عليهم هذه الصفات، تشير النتائج إلى أن تراجع الذاكرة مع مرور الوقت ليس بالضرورة أمرًا حتميًا، وأن تحسين بعض جوانب الشخصية قد يوفر مسارًا آخر لدعم الذاكرة، بعيدًا عن محاولة تغيير البنية العصبية للدماغ مباشرة.
دقة سمات الشخصية قد تكشف طريق تحسين الذاكرة
يرى ستيفان وزملاؤه أن فهم العلاقة بين الشخصية والذاكرة يصبح أكثر دقة عند الانتقال من التصنيفات الواسعة لسمات الشخصية إلى ما يسمونه «الفروق الدقيقة في الشخصية». ويقصد الباحثون بذلك المؤشرات الصغيرة التي تكشف صفات فردية مستقرة لدى الشخص.
ففي سمة العصابية، يكفي مؤشرا «القلق» و«التوتر» للتنبؤ بارتفاع خطر الإصابة بالخرف. وفي المقابل، يرتبط مؤشرا «المسؤولية» و«التنظيم» ضمن سمة الضمير الحي، ومؤشر «النشاط» ضمن الانبساطية، بانخفاض هذا الخطر.
وقد يبدو من غير البديهي أن تكون صفة واحدة أكثر قدرة على التنبؤ بنتيجة معينة من متوسط مجموعة كاملة من الصفات. لكن الباحثين يرون أن جمع عناصر متعددة في مقياس واحد، رغم ترابطها إحصائيًا، قد يخفي العلاقات الدقيقة بينها وبين القدرات المعرفية.
ولاختبار هذه الفكرة، استخدم الباحثون خمس مجموعات بيانات طويلة الأمد شملت عينات مختلفة، بينها عينة من إنجلترا وعينة تمثل المسجلين في برنامج «ميديكير» الأمريكي، وتراوحت أعمار المشاركين بين 67 و103 أعوام.
وضمت الدراسة أكثر من 28 ألف مشارك، خضعوا لاختبار للذاكرة يعتمد على استدعاء مجموعة من الكلمات تراوحت بين خمس و15 كلمة، كما أجابوا عن تقييم ذاتي لذاكرتهم من خلال سؤال يقارنون فيه قدراتهم بقدرات أشخاص آخرين من العمر نفسه. وفي عينتين من العينات الخمس، قدم شخص يعرف المشاركين تقييمًا لذاكرتهم أيضًا.
وعند جمع البيانات في نماذج إحصائية متعددة، وجد الباحثون أدلة تدعم العلاقة بين الفروق الدقيقة في الشخصية والذاكرة. وأكدت النتائج بصورة عامة أبحاثًا سابقة أظهرت أن نموذج العوامل الخمسة، عند النظر إلى سماته مجتمعة، يستطيع التنبؤ بأداء الذاكرة. لكن التركيز على التفاصيل الدقيقة للشخصية جعل العلاقة بين الشخصية ومؤشرات الذاكرة الثلاثة أكثر وضوحًا.
تعديلات بسيطة في الشخصية قد تدعم القدرات المعرفية
تشير نتائج الدراسة إلى عدد من الجوانب الشخصية التي يمكن للشخص محاولة تطويرها. ففي العصابية، قد يساعد تقليل القلق وتقلب المزاج والتوتر، مع العمل على اكتساب قدر أكبر من الهدوء.
وفي الانبساطية، قد يكون تطوير النشاط والحيوية والود والانفتاح الاجتماعي أكثر فائدة، بينما لا يبدو أن الحاجة إلى كثرة الكلام تحمل الأهمية نفسها.
أما الانفتاح على الخبرة، فيمكن دعمه عبر تنمية الإبداع والخيال والفضول والانفتاح الفكري، إلى جانب تطوير الصورة الذاتية المرتبطة بالذكاء، دون الحاجة إلى إجبار النفس على أن تصبح أكثر ميلًا إلى المغامرة.
وفي التوافق، قد تكون مشاعر التعاطف والاستعداد لمساعدة الآخرين مفيدة، لكن الدراسة لا تشير إلى ضرورة المبالغة في إظهار اللطف أو التضحية بالنفس.
ويبرز الضمير الحي باعتباره المجال الأكثر أهمية وفق النتائج؛ فقد حقق الأشخاص الذين يتسمون بالإهمال أداءً أقل عبر مقاييس الذاكرة الثلاثة، بينما ارتبط التنظيم والعمل الجاد وتحمل المسؤولية والدقة بأداء أفضل.
ومن اللافت أن صفة «الذكاء» كانت واحدة من أفضل المؤشرات على أداء الذاكرة، وهو ما قد يوحي بوجود علاقة متبادلة بين الذكاء والقدرات المعرفية، أو على الأقل كما تظهر في التقييمات الذاتية. ومع ذلك، تبدو بعض الفروق الدقيقة القابلة للتغيير في الشخصية أكثر واقعية وقابلية للتطوير، مثل زيادة الفضول والانفتاح الفكري وتحسين القدرة على إنجاز المهام المطلوبة في الحياة اليومية.
ويشير الباحثون في الوقت نفسه إلى ضرورة التعامل بحذر مع النتائج، إذ لم تظهر جميع الارتباطات بالدرجة نفسها في كل العينات، ويُعد هذا التباين بين المجموعات عاملًا مهمًا عند تفسير النتائج.
ومع ذلك، تقدم الدراسة مجموعة من الأفكار العملية التي قد تساعد في دعم القدرات المعرفية مع التقدم في العمر. والخلاصة أن مشكلات الذاكرة لا ينبغي أن تدفع الشخص إلى الاستسلام لفكرة التدهور الحتمي؛ إذ قد تساعد تغييرات بسيطة نسبيًا في طريقة التعامل مع الحياة وبعض جوانب الشخصية على الحفاظ على القدرات العقلية، وربما تحسينها مع مرور السنوات.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/fulfillment-at-any-age/202609/could-tweaking-your-personality-help-save-your-memory

