محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
بدأ سؤال جديد يتسلل إلى النقاش الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات: هل يريد دونالد ترامب فعلًا بقاء بنيامين نتنياهو؟ أم أنه، وهو الذي ارتبط اسمه بنتنياهو أكثر من أي رئيس أميركي آخر، قد يجد في رئيس حكومة جديد فرصة للتخلص من أعباء راكمتها العلاقة بين الرجلين، بخاصة بعد حرب إيران؟
أثار أميت سيغال هذه المسألة بصورة عابرة (في مقاله أخيرًا في "إسرائيل اليوم")، فقد أشار إلى أن نتنياهو لا يزال يعتقد أن بإمكانه الحصول على "حزمة الدعم الكاملة" من ترامب قبل الانتخابات، وربما "مفاجأة أكتوبر" التي تساعده في اللحظة الأخيرة، لكنه لفت، في المقابل، إلى أن مقرّبين من الرئيس، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، قد يرون رئيس حكومة آخر خيارًا أكثر ملاءمة للمرحلة المقبلة.
تتجاوز المسألة المزاج الشخصي لترامب تجاه نتنياهو، فكلاهما تجمعهما بنية سياسية وأيديولوجية عميقة، فيما تشكل الحركة الإنجيلية المحافظة، وتحديدًا المسيحية الصهيونية، أحد أهم الجسور بين اليمينين، الأميركي والإسرائيلي، إذ يتقدّم نتنياهو هنا حتى على نفتالي بينيت، بالرغم من انتماء الأخير إلى اليمين الإسرائيلي؛ فالفرق لا يتعلق فقط بالمواقف السياسية، بل بالخطاب الديني الذي طوّره نتنياهو خلال عقود في علاقته بالإنجيليين، فهو يخاطب هذه البيئة بلغتها؛ يتحدّث عن "الحضارة اليهودية - المسيحية"، وعن المصير المشترك، وأرض إسرائيل والقدس والتهديد الذي يستهدف اليهود والمسيحيين معًا، فإذا انتهى الصراع داخل اليمين الإسرائيلي بوقوف بن غفير وسموتريتش خلف نتنياهو، فمن المرجّح أن تتعزّز الضغوط داخل البيئة المسيحية الصهيونية الأميركية باتجاه دعم ترامب له.
على الجهة المقابلة، تمامًا، تأخذ المعادلة بعدًا مختلفًا، فقد أدخلت حرب إيران عاملًا جديدًا على هذه المعادلة، إذ كشفت فجوة لم تكن ظاهرة بهذه القوة بين حسابات نتنياهو وحسابات ترامب الذي دخل المواجهة بتقديرات أكثر تفاؤلًا استنادًا إلى نصائح نتنياهو واستشارته، ثم وجد نفسه أمام حرب أطول، وأزمة في مضيق هرمز، وضغوط اقتصادية وسياسية داخلية، وقد عبّر جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، عن هذا الاتجاه بوضوح، وبالرغم من أنّه لم يشكك في التحالف مع إسرائيل، لكنه شدّد على أن المصالح الأميركية والإسرائيلية ليست متطابقة بالضرورة، وانتقد محاولات داخل إسرائيل للتأثير في الرأي العام الأميركي باتجاه استمرار حرب إيران.
يضع هذا ترامب أمام حساباتٍ متعارضة، إذ يدفعه الإرث السياسي المشترك مع نتنياهو والقاعدة الإنجيلية واليمين الجمهوري التقليدي باتجاه مساندته، بينما يدفعه اتجاه آخر إلى التساؤل عما إذا كان استمرار نتنياهو سيضيف أعباءً جديدة على واشنطن، بخاصة مع حالة العزلة الدولية التي تعاني منها إسرائيل والتراجع الكبير في صورتها بعد حرب غزّة، ما يدفع مقرّبين من ترامب إلى تبني رؤية أخرى تتمثل بأن قيادة إسرائيلية جديدة، أكثر قبولًا أميركيًا وأوروبيًا، تخفّف الضغط عن واشنطن من دون أن تغير جوهر التحالف الأميركي – الإسرائيلي، مع أن هذا لا يعني أن آيزنكوت أو بينيت أو ليبيد سينفذون انقلابًا في السياسات الإسرائيلية، لكنهم لا يحملون العبء السياسي والشخصي نفسه الذي أصبح يحمله نتنياهو في العواصم الغربية.
في خضم هذا النقاش الإسرائيلي يبرز سؤال جوهري: ما حجم التأثير الأميركي أصلًا في الانتخابات الإسرائيلية؟ تبدو الإجابة الأولى: بأنه محدود، ما دام الإسرائيليون هم من يقرّر الفائزين في صندوق الاقتراع، لا موقف الرئيس الأميركي، لكن هذه الإجابة تصبح أقل حسمًا عندما تكون الفروق بين معسكري نتنياهو والمعارضة ضئيلة.
في الانتخابات المقبلة، كما تفيد أغلب استطلاعات الرأي وتحليلات السياسيين، ثمة قيمة كبيرة ومهمة للهامش السياسي، والاحزاب الصغيرة. ولذلك قد يستطيع نتنياهو استخدام تأييد قوي من ترامب لإعادة إنتاج إحدى أهم صوره أمام الناخب الإسرائيلي: الزعيم القادر على الوصول مباشرة إلى البيت الأبيض والتأثير في الرئيس الأميركي. وقد يحرّك تصريح من ترامب أو زيارة لواشنطن هامشًا انتخابيًا صغيرًا، لكنه مؤثر في معادلة سياسية شديدة التقارب، لهذا تبدو ملاحظة أميت سيغال أكثر أهمية مما تظهر عليه للوهلة الأولى، إذ يحتاج نتنياهو إلى ترامب انتخابيًا واستراتيجيًا، بينما يستطيع ترامب التعامل مع إسرائيل من دون نتنياهو.

