كشفت هيئة السكك الحديدية تفعيل صفقة صيانة بقيمة 82 مليون دولار بعد 4 سنوات من التعثر، بعدما دفعت 12 مليونا و300 ألف دولار، بينما تتحمل الموازنة كلفة التأخير والاقتراض.

 

ويعيد القرار طرح سؤال الرقابة على وزارة النقل، إذ جمد نقص الدولار معدات تمس سلامة شبكة متهالكة، ثم لجأت الهيئة إلى قروض لتمويل استيراد كان يفترض حسمه منذ 2021 و2022.

 

تعطل الصيانة بأزمة العملة

 

وبحسب عضو بمجلس إدارة الهيئة، تشمل الصفقة 14 ماكينة من شركة بلاسر أند تورر، وتستغرق عمليات التوريد عاما، لتستخدم في صيانة الخطوط وتجديدها ورفع كفاءتها، بعد تأخر فرضته أزمة التمويل.

 

لكن سداد 15 بالمئة فقط لا يعني انتهاء العقبات، لأن الهيئة ستقترض بالجنيه من بنوك، ثم تفتح اعتمادات مستندية وتحول المستحقات بالدولار، ما ينقل ضغط الصفقة من العملة إلى الدين.

 

وعندما أبرمت الهيئة الاتفاق خلال 2021 و2022، كانت الصفقة ثاني أكبر تعاقد لشراء هذه المعدات، غير أن غياب التمويل ترك التنفيذ معلقا، وكشف هشاشة التخطيط لمشتريات مرتبطة مباشرة بأمان التشغيل.

 

وفي المقابل، لا تلغي أهمية الماكينات مسؤولية الوزارة عن تأخيرها، فالصيانة ليست مشروعا تجميليا يحتمل الانتظار، وإنما خط الدفاع الأول أمام عيوب القضبان واضطراب الحركة وتراجع الاعتمادية على شبكة نقل.

 

لذلك يرى حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أن تطوير السكك الحديدية يخدم النقل الآمن والاقتصادي، وهو تقدير يجعل انتظام الصيانة معيارا للنجاح، لا إعلان شراء معدات.

 

ووفق بيانات الصفقة، تتوزع الماكينات على طرازات متخصصة في دك القضبان وتشكيلها وتجديدها، بما يرفع سرعة الأعمال ويقلل الإغلاق، لكن مردودها سيظل مرهونا بالتشغيل المنتظم وتدريب الأطقم وتوفير قطع الغيار.

 

ومع دخول الوحدات الجديدة، يرتفع أسطول الهيئة إلى نحو 67 ماكينة، بينها 17 ماكينة اشتريت بين 2013 و2023، و36 ماكينة تجاوز عمر توريدها 35 عاما، بما يكشف تراكم فجوة الإحلال.

 

غير أن الرقم الإجمالي قد يبدو أفضل على الورق مما هو في الورش، إذ لا تكفي حيازة الماكينات دون نشر بيانات جاهزيتها وأعطالها وإنتاجيتها، وتوزيعها على الخطوط الأكثر احتياجا وخطورة.

 

قروض جديدة لهيئة خاسرة

 

ويكشف تمويل الصفقة بقروض محلية تناقضا أوسع، فالحكومة تفرض سقفا قدره تريليون و500 مليار جنيه على الاستثمارات العامة، لكنها تحمل الهيئات التزامات جديدة، بينما بلغ دين الحكومة العامة 95 بالمئة.

 

ومن جهة أخرى، تعني الاعتمادات الدولارية أن المخاطر لم تختف، لأن أي ضغط على النقد الأجنبي قد يؤخر الدفعات أو يرفع الكلفة بالجنيه، فتتحول الصفقة مجددا إلى رهينة لتقلبات مزمنة.

 

كذلك عاد مرفق السكك الحديدية إلى تسجيل خسائر خلال 2025 و2026، وفق مصادر، وكانت فوائد خدمة الديون بين أبرز الأسباب، ما يجعل إضافة تمويل اختبارا لقدرة الهيئة على حماية التشغيل.

 

وبحسب محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، لا يقاس خطر الدين بحجمه منفردا، بل بمقارنته بالأصول والدخل المستقبلي، ومن ثم يجب إعلان العائد من الماكينات وقدرتها على خفض الأعطال وكلفة التعاقدات الخارجية.

 

إذ لا يكفي وصف الإنفاق بأنه تطوير، فالمعيار هو التدفقات التي يوفرها والأعباء التي يضيفها، خاصة أن الهيئة ترفع التذاكر بينما تظل خسائرها قائمة، ويستمر الركاب في تحمل كلفة قرارات.

 

وبينما تقول الوزارة إن قروض النقل تمثل 12 ونصف بالمئة من الديون، لا يجيب عن كفاءة القرض، ولا عن سبب تجميد عقد 4 سنوات قبل تدبير مقدم قدره 15 بالمئة.

 

ومن ثم، يصبح نشر شروط القرض وسعر الفائدة وأجل السداد ضرورة رقابية، لأن غياب المعلومات يمنع تقييم الكلفة الحقيقية للصفقة، ويخفي ما ستدفعه الهيئة فوق السعر البالغ 82 مليون دولار.

 

علاوة على ذلك، يفترض أن يتضمن العقد ضمانات ضد تأخر التوريد، وبرامج تدريب وصيانة ممتدة، ومخزونا من المكونات، حتى لا تتحول الماكينات الحديثة بعد سنوات إلى أصول متوقفة تنتظر الدولار.

 

معدات حديثة ورقابة غائبة

 

وتتبع الهيئة 8 شركات، بينها 3 متخصصة في صيانة وتجديد الخطوط، ما يمنحها قاعدة تنفيذ، لكنه يفرض سؤالا عن توزيع الأدوار ومنع ازدواج النفقات وقياس أداء الشركات بعد وصول المعدات.

 

وفي هذا السياق، يؤكد أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أهمية دراسة مشروعات النقل بصورة شاملة، وهو مبدأ يقتضي ربط شراء الماكينات بخطة تشغيل واحتياجات ومؤشرات معلنة.

 

ويؤكد الاتفاق أن الهيئة تريد تنفيذ الصيانة عبر شركاتها التابعة، مع قصر الاستعانة بالمقاولين على أعمال محددة، وهي خطوة تخفض الكلفة، شريطة ألا تتحول الشركات التابعة إلى إنفاق بلا محاسبة.

 

وبناء على ذلك، ينبغي نشر خريطة توضح أطوال الخطوط المستهدفة، وعدد ساعات العمل، ونسب الأعطال قبل التحديث وبعده، لأن المواطن لا يستفيد من الصفقة إلا أن يلمس قطارات أكثر أمانا وانتظاما.

 

أما اعتبار صفقة رأس الحكمة وتمويلات 2024 نهاية لأزمة الدولار، فتدحضه واقعة تأخر المعدات نفسها، إذ يظهر الملف أن المشروعات الحيوية ظلت معلقة حتى بعد تدفق الأموال وتحسن السيولة المعلن.

 

وأخيرا، لا يمكن فصل الصفقة عن سجل وزارة النقل في التوسع بالاقتراض والمشروعات الباهظة، بينما تعاني الشبكة القديمة من احتياجات يومية، ما يستوجب ترتيب الأولويات للسلامة والصيانة قبل الواجهات الجديدة.

 

وهكذا تمثل الماكينات ضرورة تأخرت، لا إنجازا مكتمل الأركان، وسيبقى الحكم عليها مرتبطا بسرعة التوريد وشفافية التمويل ونتائج التشغيل، لا بصور التوقيع، فيما يدفع الركاب ثمن أي تعثر مالا وسلامة.