فتحت تحذيرات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي من ارتفاع النفط باب القلق أمام المصريين، إذ بدت كأنها إعداد مبكر للرأي العام لتحميله فاتورة أزمة إقليمية جديدة قاسية عبر تحريك أسعار الوقود.
وجاءت الرسالة الحكومية بينما اقترب خام برنت من 96 دولارًا للبرميل، مدفوعًا بتجدد المواجهات ومخاوف تعطل الإمدادات، بما يرفع تكلفة الاستيراد ويمنح السلطة مبررًا جاهزًا لأي زيادة قاسية جديدة.
فاتورة الخارج تصل المحطات
بداية، لم يعلن مدبولي قرارًا محددًا، لكنه جمع بين صعود النفط وتهديد سلاسل الإمداد وضرورة تأمين السلع، وهي صياغة تنقل الأزمة من الخارج إلى جيب المواطن قبل كشف الإجراءات المقبلة.
وفي المقابل، تخضع الأسعار المحلية لحسابات تشمل متوسط الخام العالمي وسعر صرف الجنيه وتكلفة النقل والتكرير، غير أن الحكومة لا تنشر تفاصيل كافية تتيح للمواطن اختبار عدالة النتيجة المعلنة رسميًا.
كذلك، يعني صعود البرميل مع ضعف الجنيه تضاعف الضغط على فاتورة الواردات، لأن الدولة تسدد قيمة الخام والمنتجات البترولية بالدولار، بينما تحصل جانبًا كبيرًا من إيرادات البيع بالجنيه من السوق المحلية يوميًا.
وفوق ذلك، لا تقتصر المشكلة على البنزين، فالسولار يدخل في نقل الغذاء وتشغيل المصانع والآلات الزراعية، وأي زيادة فيه تنتقل سريعًا إلى الأسعار وتلتهم دخولًا فقدت معظم قوتها الشرائية بالفعل.
بحسب المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، يظل تثبيت الأسعار أقرب في الأجل القصير حماية للسوق، لكنه ربط اتجاه التسعير بحركة المنتجات البترولية عالميًا لا الخام وحده، عند المراجعة القادمة.
مع ذلك، تكشف تصريحات مدبولي أن الحكومة تجهز خطاب الضرورة قبل القرار، فتقدم ارتفاع الخارج باعتباره قوة لا تملك مقاومتها، وتتجنب أيضًا مناقشة أثر تراجع الإنتاج المحلي المكلف واتساع الاستيراد.
ثم إن بلوغ برنت قرابة 96 دولارًا يمثل ضغطًا حقيقيًا، لكنه لا يكفي منفردًا لفرض الزيادة، لأن المراجعة العادلة ينبغي أن تحسب فترات الانخفاض السابقة ومدى انعكاسها على المستهلك فعليًا.
تمهيد يسبق القرار
ومن ناحية أخرى، لم يحصل المصريون دائمًا على خفض مواز لهبوط النفط، بينما وصلت إليهم الزيادات سريعًا عند صعوده، وهو خلل يضعف الثقة في وصف الآلية المعلنة بأنها تلقائية ومتوازنة.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن ارتفاع الخام قرب 90 دولارًا يضغط على الدول المستوردة، ويزيد تكلفة توفير الوقود ما لم تتسع مواردها الدولارية.
غير أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل التحذير إلى غطاء دائم لقرارات معدة سلفًا، خصوصًا أن الحكومة تمضي أصلًا في تقليص دعم الطاقة وتقريب سعر البيع من التكلفة الفعلية مهما كانت العواقب.
لهذا، تبدو الأزمة الإقليمية عامل تسريع محتمل وليست السبب الوحيد، إذ تلتقي مع التزامات مالية وضغوط الموازنة وفاتورة الدين، فتتحول صدمة النفط إلى فرصة لتمرير زيادة مؤجلة يدفعها المواطن لاحقًا.
وبالتالي، فإن غياب موعد رسمي لا ينفي احتمال التحريك، لكنه يعني أن القرار سيظل مرهونًا بمدة بقاء الأسعار مرتفعة، وحركة الدولار، وقدرة الخزانة على امتصاص التكلفة دون تحميلها للمواطن مباشرة.
أما إذا هدأت المواجهات سريعًا وتراجعت الأسعار، فسوف تتراجع الحجة العاجلة للزيادة، مع بقاء مسار رفع الدعم قائمًا، بما يجعل التثبيت تأجيلًا محتملًا لا ضمانًا باستمرار السعر الحالي لفترة طويلة.
التضخم يدفع الثمن
وفي تقدير الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول وخبير أسواق الطاقة، فإن اضطراب الإمدادات يوسع تقلبات الأسعار، بينما يبقى تعزيز الإنتاج المحلي الطريق الأوضح لتقليل التعرض للاستيراد الخارجي المكلف.
ومن ثم، تكشف الأزمة كلفة سنوات لم تحقق فيها الحكومة اكتفاءً مستقرًا من النفط والغاز، إذ صار المواطن مطالبًا بسداد فارق العملة والسعر العالمي معًا كلما تعثرت الإمدادات الخارجية المكلفة.
علاوة على ذلك، لا تقف آثار الزيادة المحتملة عند محطات التموين، بل تمتد إلى أجرة النقل وأسعار الخبز والخضروات ومواد البناء والخدمات، فتطلق موجة تضخم تتجاوز نسبة التحريك نفسها لاحقًا.
وبالمثل، يتحمل محدودو الدخل العبء الأكبر لأن الإنفاق على الغذاء والمواصلات يستهلك معظم دخولهم، بينما لا تواكب الأجور والمعاشات الزيادات المتلاحقة في الأسعار ولا توفر حماية فعلية أو كافية ومستدامة.
نتيجة لذلك، قد يؤدي رفع جديد للوقود إلى إبطال جهود خفض التضخم، ودفع التجار لإعادة التسعير، وإضعاف الطلب المحلي، بما يضيف ركودًا أشد إلى معيشة تعاني أصلًا من الغلاء المتراكم.
وفي الوقت نفسه، تملك الحكومة بدائل لتخفيف الصدمة، بينها استخدام التحوط، وتنويع مصادر الاستيراد، وتقليص الإنفاق غير الضروري، وزيادة شفافية التسعير، بدل اختيار الطريق الأسهل نحو جيوب المواطنين مرة أخرى.
بناء على ذلك، يتطلب أي قرار نشر عناصر التكلفة كاملة، ومتوسطات النفط والصرف، وحجم الواردات والدعم، حتى يعرف الناس إن كانت الزيادة ضرورة حسابية أم اختيارًا لسد عجز الموازنة الحالي.
وإلى جانب الشفافية، ينبغي استثناء السولار من أي تحريك واسع أو تعويض المتضررين مسبقًا، لأن رفعه يصيب شبكة الأسعار كلها ويضاعف أثر الأزمة على الفقراء والعمال وأصحاب الدخول الثابتة حاليًا.
أخيرًا، توحي تصريحات مدبولي بتمهيد واضح لاحتمال الزيادة أكثر مما تقدم خطة حماية، فالتحذير سبق إعلان البدائل، وجرى استدعاء الخطر الخارجي دون تعهد صريح بعدم تحميل تكلفته للمواطن هذه المرة.
وفي المحصلة، ستكشف المراجعة المقبلة ما إذا كانت الحكومة ستستخدم صعود برنت قرب 96 دولارًا ذريعة لزيادة جديدة، أم تتحمل جانبًا من الأزمة وتحمي سوقًا لم تعد تحتمل صدمة إضافية.

