سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
"نظام قوي ودولة ضعيفة"؛ توصيف صكّه الأكاديمي المصري الراحل سامر سليمان، وعنون به كتابًا أصدره عام 2005 عن محصّلة التفاعل بين قوّة السلطة بأدواتها الأمنية بالأساس، في مقابل ضعف الدولة المتجسِّد في انحسار حضورها وتراجع دورها الوظيفي، الاقتصادي خصوصًا.
خصّ سليمان بكتابه عهد حسني مبارك، لكن متقابلة النظام/ السلطة والدولة قائمة تضرب بجذورها في عمق التاريخ المصري، وبخاصة الحديث والمعاصر. فخلال خمسينيّات القرن الماضي وستينيّاته، كان النظام الحاكم في مصر بقيادة جمال عبد الناصر يعاني مشكلات داخلية، سياسية بالأساس، نُخبوية تحديدًا، على خلفية الاستقطاب الذي تطوّر إلى انقسام في دائرة الحكم. وواجهت الدولة المصرية خلال تلك الفترة أزماتٍ خارجيةً متواليةً. ومقابل المردود السلبي للاستقطاب الداخلي في النظام، كانت الأزمات الخارجية قوّة تجميع وحشد لمعظم عناصر قوّة الدولة. والمحصّلة أنّ الفجوة بين الدولة والنظام لم تكن واسعةً، ويشهد على ذلك تجاوز النظام والدولة معًا هزيمة 1967، التي كانت جديرة بإسقاط النظام وإضعاف الدولة لعقود تالية.
لم يكن عهد أنور السادات وحدةً زمنيةً متجانسةً؛ فقبل حرب أكتوبر (1973)، كان النظام يبني نفسه ويزرع رجاله في مفاصل الدولة، ويمدّ أذرعه البديلة لأذرع عبد الناصر ورجاله. ثمّ أتاح "انتصار أكتوبر" لنظام السادات فرض سيطرته وتأسيس مشروعيته داخليًا وخارجيًا، قبل أن تتآكل تلك المشروعية نسبيًا في الداخل والخارج بالتحوّل الجذري نحو الاتفاق مع إسرائيل. وفيما ظلّت الدولة المصرية أسيرة المنطق والأدوات الاشتراكية، اقتصادًا وسياسةً، بادر السادات بعد خمسة أعوام فقط إلى عكس اتجاه الدفّة والتحوّل نحو الاقتصاد الرأسمالي، والتحرّر جزئيًا من سيطرة الدولة على الاقتصاد تحديدًا.
ولقصر عهد السادات، استمرّ نظام حسني مبارك في الخلط، ولا أقول في الارتباك، في منهجية إدارة الدولة اقتصاديًا، بين الاشتراكية والرأسمالية. وعلى التوازي، كان مبارك يحاول تأسيس مشروعية له، من دون بوصلة واضحة يلتزمها. فاستعان، لتشكيل نُخبة موالية له، ببعض رجال عبد الناصر، وبقلّة من رجال السادات. أمّا الدولة، فكانت خلال النصف الأوّل من الثمانينيّات تُحصّل موارد اقتصادية ومساعدات عسكرية وغطاءً سياسيًا من الراعي الأميركي لاتفاق كامب ديفيد. ثمّ استفادت الدولة المصرية لاحقًا من توجّهات مبارك الإيجابية نحو الدول العربية الغنيّة، ومدّ جسور التفاهم والتنسيق مع الدول المحورية مثل سورية. وكان للمشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991 دور حاسم في تخفيف أعباء الدولة المصرية، بإلغاء ديون وتدفّق مساعدات، فضلًا عن استعادة مكانة مصر دولةً قوّيةً قادرةً ومطلوبةً للاضطلاع بمهام كبيرة في الأحداث الكُبرى.
فكانت المحصّلة، بعد ربع قرن من حكم مبارك، أنّ كلًّا من النظام والدولة يتمتع بقدر معقول من القوّة، وبمسافة بينهما مقبولة: النظام برجاله وأدواته وإعلامه، والدولة بأجهزتها (السيادية خصوصًا) ومؤسّساتها الخشنة (الجيش والشرطة) والقوى المدنية والشعب، على الرغم من تفاوت المسافة بين كلّ من تلك المكوّنات والأخرى في الجانبَيْن.
بدءًا من عام 2005، ظهرت تجلّيات ترهّل النظام، ليس فقط بسبب شيخوخة مبارك، بل بالأساس بسبب التبديل والتعديل في نُخبة الحكم، وتغيير توجّهات إدارة الدولة وأدواتها، إذ احتلّ مُحدثو السياسة، محدودو الخبرة، مقاعد رجال الدولة المحنّكين.
وفيما كانت توجّهات أولئك المستجدِّين تُنهك الدولة اقتصاديًا وتضرب الطبقة الوسطى، كانت القبضة الأمنية تزداد بطشًا للجم الحراك السياسي وكبح التململ العام، حتّى أفلتت الدولة من أيدي المحدثين، وأُطيح النظام وأُطيحوا معه.
استدعاء التاريخ ضروري لفهم النسخة الحالية من متقابلة النظام/ السلطة والدولة في مصر، إذ يساعد في فهم واقع تلك النسخة واستشراف تطوّراتها المتوقّعة قريبًا أو هكذا تبدو.

