حذرت مقديشو من أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي يهدد وحدة البلاد ويفتح باباً لوجود عسكري واستخباراتي قرب باب المندب، مطالبة الدول العربية بالتحرك العاجل قبل انتقال الخطوة إلى عواصم أخرى.
وكشفت الحكومة الصومالية عن اتصالات مباشرة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإحباط دعاوى داخل الكونغرس تطالب بتغيير موقف واشنطن، مؤكدة أن الإدارة لا تزال تعترف بسيادة الصومال على كامل أراضيه بما فيها الإقليم.
اعتراف يفتح باب التفكيك
وفي التفاصيل، قال وزير الدولة للشؤون الخارجية علي محمد عمر إن الاعتراف الصادر في ديسمبر 2025 لم يبق إجراءً رمزياً، بعدما تبادل الطرفان السفراء وافتتحت أرض الصومال سفارة في القدس وزار رئيسها إسرائيل رسمياً.
وبحسب عمر، اعترفت إسرائيل علناً بالمساعدة في تدريب قوات أمن الإقليم، الأمر الذي تنظر إليه مقديشو بوصفه انتقالاً من كسر العزلة الدبلوماسية إلى تعاون أمني قد يفرض وقائع جديدة داخل حدودها.
ومن جانبه، يرى الباحث الكندي المتخصص في القرن الأفريقي مات برايدن أن اعتراف إسرائيل عقّد مسعى الإقليم بسبب هوية الدولة المبادرة، لكنه قد يكسر الحاجز إذا لحقت بها دول أخرى خلال المرحلة المقبلة.
غير أن قراءة برايدن تكشف جوهر القلق الصومالي، إذ إن بقاء إسرائيل منفردة يحاصر أثر القرار، بينما يحوله أي اعتراف ثان إلى مسار تراكمي يصعب على مقديشو وقفه لاحقاً عبر بيانات الرفض.
لذلك، طلب عمر من الدول العربية استخدام علاقاتها ونفوذها بصورة استباقية، لا الاكتفاء بالإدانات، محذراً من أن تفكيك دولة عربية وأفريقية سيصنع سابقة تتجاوز آثارها حدود الصومال والقرن الأفريقي كلها.
وفي المقابل، لم تنتج الخطوة الإسرائيلية حتى الآن موجة اعترافات، بينما تمسك الاتحاد الأفريقي ودول عربية وتركيا بوحدة الصومال، وهو ما يمنح مقديشو وقتاً لحشد جبهة مانعة قبل حدوث اختراق جديد.
موطئ إسرائيلي عند المضيق
علاوة على ذلك، حذرت الحكومة الصومالية من إنشاء أي وجود عسكري أو استخباراتي أجنبي دون موافقتها، معتبرة أن عسكرة ملف الانفصال ستنقل النزاع من خلاف على الوضع القانوني إلى تهديد مباشر للمنطقة.
وبالتوازي، يربط المحلل الصومالي رشيد عبدي الاعتراف بسعي إسرائيل إلى تأمين عمق استراتيجي بمحاذاة أحد أهم الممرات البحرية عالمياً، حيث يتيح ساحل الإقليم مراقبة مباشرة لخليج عدن وباب المندب واليمن.
ومن ثم، تبدو المخاوف الصومالية متصلة بحسابات البحر الأحمر أكثر من حدود الإقليم وحدها، خصوصاً مع حديث مقديشو عن تدريب أمني إسرائيلي وتقارير تتناول منشآت يمكن استخدامها لأغراض عسكرية واستخباراتية.
كما أن موقع ميناء بربرة يمنح أي قوة متمركزة هناك قدرة على الاقتراب من خطوط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، في وقت تتصاعد فيه الهجمات والعمليات العسكرية على الضفة اليمنية.
وبناءً على ذلك، شدد عمر على تشارك الصومال ومصر والسعودية مصلحة ثابتة في حماية الملاحة وباب المندب وخليج عدن، مؤكداً انضمام بلاده إلى إطار أمني بحري أوسع تقوده الرياض هذا العام.
في غضون ذلك، تراهن مقديشو على أن مصالح واشنطن في مكافحة الإرهاب والأمن البحري واستقرار القرن الأفريقي تخدمها دولة موحدة، لا كيانات متنافسة قد توسع فراغات تستفيد منها الجماعات المسلحة.
أما داخل الولايات المتحدة، فتفصل الحكومة الصومالية بين مطالب بعض أعضاء الكونغرس وبين القرار الرسمي، وتقول إن قنواتها مع إدارة ترمب ما زالت تؤكد الاعتراف بوحدة الجمهورية الفيدرالية وسلامة أراضيها.
قوات مصرية تنتظر التمويل
إلى جانب ذلك، وصف عمر مصر وتركيا بأنهما شريكان استراتيجيان لا يفرض أحدهما إضعاف الآخر، مشيراً إلى توسع التعاون مع القاهرة في الأمن والتعليم وبناء القدرات والاقتصاد والتحرك الخارجي والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، أكد أن القوات المصرية جاهزة للانضمام إلى بعثة الاتحاد الأفريقي، لكن انتشارها ينتظر استكمال تناوب الوحدات والترتيبات اللوجستية والمتطلبات العملياتية وحل أزمة التمويل المستدام للبعثة الأفريقية الجديدة.
بدوره، حذر الباحث في شؤون الصومال عمر محمود من أن تمويل البعثة لم يُحسم، بل جرى تأجيل أزمته، داعياً إلى خطط بديلة تمنع وقوع فجوة مالية تعطل القوات وتربك الانتشار.
ومع ذلك، يمثل تأخر التمويل ثغرة خطيرة أمام مقديشو، لأن حركة الشباب ما زالت قادرة على تنفيذ هجمات رغم خسارة قادة ومناطق، بينما تحتاج القوات الوطنية إلى دعم مستمر لتثبيت المكاسب.
على صعيد الميدان، تقول الحكومة إن قواتها بدعم دولي قتلت قادة بارزين وعطلت شبكات واستعادت مناطق مهمة، لكنها تقر بأن الحركة لا تزال خطرة وأن المؤسسات والانقسامات الداخلية تفرض تحديات ثقيلة.
وبشأن إثيوبيا، أكد عمر أن إعلان أنقرة الموقع عام 2024 أصبح المرجعية الحاكمة للعلاقة، بعدما أعاد الطرفان تثبيت احترام السيادة والوحدة والاستقلال، وفتحا مفاوضات فنية بشأن وصول أديس أبابا إلى البحر.
وعليه، تصر مقديشو على أن أي منفذ إثيوبي يجب أن يقوم على ترتيبات تجارية متبادلة المنفعة وتحت سلطتها السيادية، بما يسقط عملياً مذكرة التفاهم السابقة تماماً بين إثيوبيا والإقليم الانفصالي.
وفي الوقت نفسه، يمنح المسار التركي الصومال وسيلة لاحتواء الخلاف مع إثيوبيا دون التخلي عن الشراكة الأمنية المتنامية مع مصر، لكنه يظل رهناً بالتزام أديس أبابا بعدم تجاوز الحكومة الفيدرالية.
أبعد من ذلك، تستند مقديشو إلى عضويتها في مجلس الأمن ومجموعة شرق أفريقيا ومجلس السلم والأمن الأفريقي لتثبيت شرعيتها وتعزيز حضورها، بعد إعفاء الديون وإعادة بناء مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.
وفي المحصلة، تريد الحكومة تحويل الرفض العربي إلى تحرك يمنع الاعترافات الجديدة، ويسد طريق التمدد الإسرائيلي، ويضمن تمويل القوة الأفريقية، قبل أن تتقاطع الانقسامات الداخلية مع صراع الموانئ وتمنح حركة الشباب مساحة أوسع.

