مقترح من بضع كلمات في منشور على منصة "إكس" كان كفيلاً بإثارة عاصفة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الساعات الأخيرة، لم تهدأ حدته حتى مع مسارعة حكومة الانقلاب إلى إصدار بيان تتبرأ فيه من دعوة رجل الأعمال حسن هيكل (نجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل) بنقل ملكية الدولة في قناة السويس إلى البنك المركزي مقابل تصفير الدين العام المحلي.

 

فلم يغلق النفي الرسمي باب الجدل الجدل في الأوساط الاقتصادية والسياسية المصرية حول المقترح بالتخلي عن ملكية الدولة- أو ما سماه هيكل "المقايضة الكبرى"- لواحد من أهم مصادر الدخل القومي، فيما حذر خبراء من اللجوء إلى ذلك.

 

 

ما الذي يهدف إليه المقترح؟ 

 

ويرتكز المقترح بشكل أساسي على نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، أسوة بما سماه "المقايضة الصغرى"، التي نفذتها الدولة لتسوية مديونيات "ماسبيرو" التاريخية لصالح بنك الاستثمار القومي مقابل الحصول على أراضٍ وأصول.


لكن مجلس الوزراء أكد أن ما يتم تداوله في هذا الشأن "يعبر عن رؤية شخصية خالصة لصاحبها، ولا يمثل بأي حال من الأحوال توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة المصرية".

 

وأوضح أن "أفكارًا تتعلق بمقايضة مثل هذه الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية بالدولة، في إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وقد انتهت الدراسة إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور، وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام".

 

 

ملكيات أخرى بديلة لقناة السويس

 

من جهته، دافع هيكل عن مقترحه المثير للجدل، قائلاً: "أنا بأطالب بنقل ملكية بعض ملكيات الشركات العامة من وزارة المالية للبنك المركزي. يعني الجهة اللي إحنا مؤتمننها على احتياطي نقدي يفوق 50 مليار دولار، على جهاز مصرفي، على الودائع، مش حأتمنها على ملكية بعض أصول البلد؟!".


 
وطرح حلاً بديلاً يتمثل في نقل ملكيات أخرى بديلة لقناة السويس، مراعاة للحساسية التي أثارها المقترح، متذرعًا بأنه لا يوجد بلد في العالم تلتهم الفائدة المدينة على موازنتها ما يتراوح من 60 إلى 70% دون أن يكون هناك ضمان اجتماعي كاف للمواطن. 

 

وأكد أن الحلول المطروحة والدارجة والمكررة والمستهلكة "ما تنفعش لانه ببساطة ما جبتش نتيجة. ما لهاش دعوة بحكومة او حكومة مختلفة، لها دعوة بالحل"، وفق قوله.

 

هدف خبيث لمن أغرق مصر في الديون

 

وعلق مراد علي، المستشار الإعلامي لحزب "الحرية والعدالة" على المقترح عبر حسابه في منصة "إكس"، قائلاً: بغض النظر عن رفضنا لفكرة الأستاذ حسن هيكل مقايضة أصول مصر بالديون، لأن هذا يبدو الهدف الخبيث لمن أغرق مصر في الديون في السنوات الأخيرة، إلا أن المشكلة ليست في تصفير الديون..".

 


 
وأضاف: "فمن اقترض للإنفاق على القصور والمشروعات غير ذات العائد، والذي سرّب قدر كبير من القروض للفاسدين، سيكرر ذلك وسنجد مصر غارقة مرة أخرى في ديون جديدة".


وأوضح: "أزمتنا في إدارة تجمع الفساد والطغيان مع الغرور والكبر والغباء.. وإن لم تتغير هذه الإدارة، فستظل مصر في تلك الدائرة الشيطانية".

 

رأي شخصي أم حاولة لجس نبض؟

 

وتساءل الكاتب الصحفي خالد محمود عبر "إكس": "هل فكرة المقايضة الكبرى، رأي شخصي أم اختبار مبكر ومحاولة لجس نبض الشارع المصرى؟".

 

 

وتابع في سياق تعليقه: "ظنى، وبعض الظن ليس إثًما، أنها الأخيرة، فحسن هيكل طرح الفكرة منذ يناير الماضى، وهو عضو في اللجنة الاستشارية الاقتصادية لرئيس الحكومة".

 

وأشار إلى تصريح أدلى به هشام عز العرب، عضو اللجنة ذاتها بأن "مثل هذه الأفكار كان يجب أن تُناقش في الغرف المغلقة أولاً".

 

وذكر أنه على الرغم من أنه لا توجد أدلة على أن الحكومة كلفته بطرحها، لكن التسلسل واضح:

 

الفكرة نوقشت داخل دوائر استشارية، وحدثت تسوية ماسبيرو، ثم أعاد نجل هيكل طرحها.

 

الحكومة نفت رسميًا أن تكون الفكرة توجهًا رسميًا، وأكدت أن قناة السويس خارج أي نقاش.

 

لكنه اعتبر أن "النفي لا يغلق الموضوع ،هل كانت فكرة المقايضة الكبرى مجرد مبادرة شخصية، أم فكرة جرى تداولها داخل دوائر قريبة من القرار قبل أن يتم اختبارها علنًا؟".

 

فكرة تمس الأمن القومي


وعلق الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري على بيان مجلس الوزراء، قائلاً: "هذا موقف يستحق التقدير ويؤكد الحرص علي قناة السويس ورفض مثل هذه الأفكار، كنت أتمني من المهندس حسن هيكل أن ينأي بنفسه عن مثل هذه الأفكار التي تمس الأمن القومي في الصميم"

 

 

وتابع: "كما أتمني منه أن يعيد قراءة كتاب أستاذنا محمد حسنين هيكل عن حرب السويس، وأن يدرك أن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عندما أمم القناه عام ٥٦، إنما أراد ردها إلي أصحابها الحقيقين، فهل نأتي بعد كل هذه التضحيات لنروج لمقايضة القناه أو رهنها، هذا أمر غريب، ومثار تساؤل عند الكثيرين".


 

أهمية قناة السويس

 

واعتبر علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك أن هيكل "يجهل أهمية قناة السويس كممر عالمى و شريان حيوى ورمزًا للسيادة الوطنية وأن أي اقتراح لرهنها أو مقايضتها لتسوية ديون محلية تمثل مخاطرة كبرى تمس السيادة الوطنية والأمن القومى المصرى". 

 

 

وأضاف: "من الواضح أيضًا أنه يجهل أن قناة السويس ليست مجرد أصلاً عاديًا يتم التعامل معها كقطعة أرض أو شركة من الشركات من أجل تصفير دين محلي، فقيمة هذا الممر الحيوي تتجاوز أى ديون قائمة ولا يجوز إدخال قناة السويس في أي مقايضة أو رهن أو المساس بملكيتها أو ربطها بملف الديون حتى لو كان الطرف الآخر جهة محلية".