كشف الصحفي الاستقصائي المستقل أنس العمري، في تحقيق نشره موقع «العربي الجديد»، كيف تحولت شركة مصرية سودانية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى إحدى القنوات الرئيسية للتجارة بين مصر والسودان، مستفيدة من الحرب الدائرة في السودان لتوسيع نشاطها في تجارة الذهب وتوريد السلع الأساسية، بينما تكشف وثائق مسربة عن تعاملات مع كيانات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وخاضعة لعقوبات دولية.


واستند الكاتب في التحقيق الذي نشره موقع العربي الجديد إلى وثائق مسربة حصل عليها الموقع من الشركة المصرية السودانية، وهي مشروع مشترك بين الحكومتين المصرية والسودانية، وأصبحت إحدى القنوات الرئيسية للتجارة بين السودان وجارته الشمالية، بما في ذلك تجارة الذهب.


العقوبات الدولية تغفل الدور المصري في تجارة الذهب السوداني


فرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، الشهر الماضي، عقوبات جديدة على كيانات متورطة في تمويل الفصائل المتنافسة في الحرب الأهلية السودانية.


وفي 19 يوليو، فرضت بريطانيا عقوبات على 11 كيانًا لدورها في ما وصفته بـ«شبكات الذهب غير المشروعة التي تغذي الحرب في السودان». وقبل ذلك بأيام، أعلن الاتحاد الأوروبي حظرًا شاملًا على تجارة الذهب القادم من السودان.


لكن إجراءات العقوبات لم تستهدف كيانات مصرية، رغم الدور المحوري الذي تؤديه في توريد السلع إلى القوات المسلحة السودانية واستيراد الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرتها.


وحصل العربي الجديد على وثائق مسربة من الشركة المصرية السودانية، شملت فواتير وعقودًا تعود إلى الفترة من أغسطس 2021 إلى مارس 2024، وتوضح كيف استفادت الشركة من علاقاتها داخل الدولة المصرية لتعزيز موقعها المهيمن في اقتصاد الحرب السوداني.


وتقول الشركة المصرية السودانية إنها تسيطر على ربع حجم التجارة البالغ مليار دولار بين السودان ومصر. وفي عام 2025، مرّ نحو نصف صادرات السودان إلى مصر عبر الشركة، بما في ذلك ما يتراوح بين طنين وثلاثة أطنان من الذهب السوداني.


وأظهرت بيانات أخرى أن مصر استوردت 4.9 طن من الذهب السوداني في عام 2025، بقيمة بلغت 517 مليون دولار، وهو ما يمثل زيادة قدرها 20 ضعفًا مقارنة بالعام السابق. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 وحدها، بلغت قيمة صادرات الذهب من السودان إلى مصر 225 مليون دولار، فيما أعيد تصدير الجزء الأكبر منه إلى الإمارات العربية المتحدة.


أطلقت الشركة المصرية السودانية رسميًا في القاهرة في أبريل 2021، برأس مال تأسيسي بلغ نحو 500 مليون جنيه مصري، أي ما كان يعادل نحو 50 مليون دولار آنذاك.


وتملك شركات تابعة لوزارة التموين المصرية ووزارة الدفاع المصرية الشركة بصورة مشتركة، إلى جانب شركة تابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، وهي تكتل مملوك للقوات المسلحة السودانية وأحد أبرز منتجي الأسلحة التابعين لها.


وكان الهدف المعلن عند إطلاق الشركة زيادة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين مصر والسودان، خصوصًا من خلال زراعة المنتجات الزراعية وتربية الماشية.


لكن في نهاية عامها الكامل الأول، عام 2022، لم يمر عبر الشركة سوى نحو 4% من التجارة بين البلدين.


الحرب تفتح أمام الشركة أبواب تجارة السلع والذهب


مع اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023، اتسعت فرص الشركة المصرية السودانية للتوسع في السوق السودانية.


وأدى ارتفاع الطلب على الغذاء في السودان، حيث عانى نحو 20 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، إلى زيادة صادرات الشركة من السلع الأساسية.


وأظهرت وثيقة عرضت على مجلس إدارة الشركة أن الشركة المصرية السودانية زوّدت القوات المسلحة السودانية وشركاءها بنحو 25 ألف طن من السكر و7 آلاف طن من الدقيق خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2023.

 

وقالت الشركة إنها حققت أرباحًا بلغت نحو 70 مليون جنيه مصري، أي 2.3 مليون دولار، خلال الفترة نفسها.


وقال سليمان بالدو، المدير التنفيذي لمركز «سودان ترانسبيرنسي أند بوليسي تراكر»، لـ«ذا نيو عرب»، إن أسلوب التمويل القائم على تجارة السلع الذي تتبعه الشركة المصرية السودانية ساعد شركات تابعة للجيش السوداني وخاضعة للعقوبات على تجاوز القيود الدولية.


وأوضح بالدو أن عمليات التجارة تجري بالعملة المحلية، إذ تعمل شركات الجيش السوداني مثل متجر كبير، فتحصل على السلع من الشركة المصرية السودانية، ثم تعيد تعبئتها داخل السودان وتبيعها للمستهلكين، ما يوفر لها العملة المحلية.


وأضاف أن هذه الإيرادات تُستخدم بعد ذلك لشراء منتجات تُصدّر إلى مصر، في صورة مقايضة أو تجارة تبادلية لا تتطلب استخدام الدولار أو اليورو.

 

وبحسب بالدو، يشكل هذا الأسلوب أحد المسارات الرئيسية للالتفاف على العقوبات، إذ لا تجري عمليات تبادل بالعملات الأجنبية التي يمكن تتبعها بسهولة.


ولم تقتصر الشركة على تجاوز العقوبات الدولية، بل تحايلت كذلك على قيود التجارة المصرية.


فعلى سبيل المثال، صدّرت الشركة السكر رغم فرض حظر وطني على تصديره في مارس 2023. واستمرت عمليات تصدير السكر حتى مارس 2024 على الأقل، وفق الوثائق المسربة.


وحصلت الشركة على تصاريح خاصة لتصدير السكر عبر وزارة التموين، مستندة إلى «الأزمة» في السودان لتبرير استمرار الصادرات.


وبحلول نهاية عام 2023، أبلغت الشركة مساهميها بأنها ضاعفت حصتها من التجارة مع السودان ثلاث مرات مقارنة بالعام السابق، وحققت عائدًا على استثماراتها بلغ 46%.


وعندما طلب العربي تعليقًا من أحد مسؤولي الشركة خلال مكالمة عبر الفيديو، نفى المسؤول في البداية تورط الشركة في التعامل مع كيانات سودانية خاضعة للعقوبات، لكنه لم يقدم ردًا عندما واجهته الصحيفة بالأدلة التي حصلت عليها.


نفوذ الدولة المصرية ودور الشركة في تجارة الذهب


تكشف الوثائق الداخلية أيضًا عن استعانة الشركة المصرية السودانية بأجزاء مختلفة من الحكومة المصرية لمساعدتها على توسيع موقعها المالي في السودان.


وفي أبريل 2023، أي قبل أسابيع من اندلاع الحرب الأهلية السودانية، عرض الجيش المصري على الشركة، وفقًا للوثائق، استئجار طائرة من طراز «لوكهيد C-130» لنقل نحو 1500 طن من اللحوم السودانية، بهدف تجاوز العقبات اللوجستية على الحدود المصرية السودانية.


لكن الخطة أُسقطت في النهاية بسبب ارتفاع تكلفتها.


وبعد اندلاع الصراع بأشهر، وبعد حظر مصر دخول المواطنين السودانيين دون تأشيرة في يونيو 2023، خاطبت الشركة المصرية السودانية وزارة التموين للسماح للواء السوداني ميرغني إدريس سليمان، الذي كان يشغل حينها منصب المدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، بزيارة مصر.


وفي الوقت نفسه، استمرت التجارة بين الشركة المصرية السودانية والشركات التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية حتى بعد إدراج التكتل السوداني على قوائم العقوبات الأمريكية والبريطانية في صيف 2023.


وبحلول يناير  2024، أبرمت الشركة اتفاقًا لاستيراد الذهب السوداني وتوزيعه داخل مصر.


ويرى بالدو أن الدور الأرجح للشركة المصرية السودانية يقتصر على توجيه الذهب السوداني إلى الاقتصاد المصري، ثم تصدير الفائض إلى الإمارات العربية المتحدة.


وقال إن مصر لا تزال تحقق أرباحًا من هذه العملية، لأنها تشتري الذهب بسعر منخفض، بينما تساعد كيانات سودانية في الوقت نفسه على تجاوز العقوبات.


ومع ذلك، يظل من المشكوك فيه أن تنجح الإجراءات التي أعلنها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مؤخرًا في الحد من تدفق الذهب المرتبط بالصراع السوداني.


وقال مارك أومل، الباحث في المؤسسة السويسرية «سوييس إيد»، إن وقف الصراع في السودان يتطلب تتبع الذهب عبر سلسلة الإمداد بأكملها.


وأضاف أن العقوبات ستظل محدودة التأثير طالما لم تشمل الشركات التي تتعامل مع الذهب السوداني على امتداد سلسلة التوريد.


وأشار أومل إلى أن سويسرا، باعتبارها أكبر مستورد ومصدّر للذهب في العالم، قد تسهم بصورة غير مقصودة في توزيع الذهب المرتبط بالحرب في السودان، رغم حظر هذا الذهب بموجب نظام العقوبات الأوروبي.


وأوضح الباحث السويسري أن نظام عقوبات الاتحاد الأوروبي ينص في المادة 2أ على حظر الاستيراد غير المباشر للذهب السوداني، لكن لا توجد حاليًا آلية لمراقبة هذا الاستيراد أو منعه.


واختتم أومل حديثه بالتأكيد على ضرورة الجمع بين توسيع نطاق العقوبات وتشديد متطلبات العناية الواجبة والشفافية وإمكانية تتبع الذهب، من خلال تشريعات في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وسويسرا.


وأدت الحرب في السودان إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، إذ أسفرت، وفق تقديرات أوردها التحقيق، عن مقتل ما يصل إلى 150 ألف شخص ونزوح أكثر من 13 مليونًا منذ اندلاعها عام 2023.

 

https://www.newarab.com/analysis/how-egyptian-state-cashing-sudans-conflict-trade?amp=1