أغرقت أعطال شبكة الصرف الصحي، بحسب شكاوى الأهالي، مناطق حيوية في مدينة قنا لمدة يومين، بينها شارع مصطفى كامل والمحيط القريب من ديوان عام المحافظة، لتتحول الحركة اليومية للمواطنين إلى معاناة بين مياه ملوثة وروائح خانقة وتعطل للمحال والمنازل.

 

ولا تبدو الأزمة مجرد عطل فني عابر؛ فحين تصبح مياه المجاري جزءًا من المشهد اليومي أمام البيوت، يتحمل السكان ثمنًا صحيًا ونفسيًا واقتصاديًا، بينما تبقى الاستغاثات المتكررة بلا حل يمنع عودة المشكلة.

 

وتكشف الصور ومقاطع الفيديو المتداولة أن الطفح لم يعد مقصورًا على قرى بعيدة أو مناطق مهمشة، بل وصل إلى قلب عاصمة المحافظة، في مشهد يطرح تساؤلًا مباشرًا عن كفاءة البنية الأساسية في مدينة يفترض أنها مركز الإدارة والخدمات.

 

وتحدث مواطنون عن برك راكدة تعوق مرور السيارات والمارة، وتفرض على الأسر المرور يوميًا بمحاذاة المياه الملوثة أو داخلها، دون بدائل آمنة أو تدخل يوازي حجم الضرر.

 

مستنقعات قرب الديوان وبلاغات معلقة

 

رصد الأهالي طفحًا واسعًا في شارع مصطفى كامل، المعروف باسم شارع بيلامود، إلى جانب شوارع محيطة بمنطقة الشؤون والمساكن القريبة من ديوان عام المحافظة.

 

ويقول سكان إن الأزمة تتكرر كلما زاد الضغط على الشبكة، فيما تتحول البلاغات إلى انتظار طويل لسيارات الكسح بدلًا من إصلاح أسباب الانسداد أو التهالك.

 

وتساءل مواطنون عن جدوى وجود الخط الساخن إذا كانت الاستغاثة لا تتبعها استجابة سريعة وواضحة، خصوصًا عندما تكون المياه محاصرة للمداخل والأدوار الأرضية.

 

وتزداد المفارقة قسوة مع وقوع الأزمة قرب منشآت حكومية، إذ يبدو أن شكوى المواطن العادي لا تحظى بالإلحاح نفسه الذي يفرضه وجود عطل في منطقة إدارية حساسة.

 

كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وسيلة الأهالي الأخيرة لعرض ما يصفونه بـ«المأساة اليومية»، بعدما لم تعد الشكاوى المباشرة كافية لانتزاع معالجة جذرية.

 

ولا تكفي إزالة المياه من سطح الشارع إذا بقيت الشبكة نفسها مهيأة للانهيار عند ذروة الاستخدام التالية؛ فالمطلوب إعلان سبب الخلل، وخطة إصلاح، وموعد محدد للانتهاء.

 

وفي قراءة فنية للسياق، يشير الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى أن إدارة المياه لا تستقيم بالحلول الارتجالية، بل بالقياس المستمر للأحمال والقدرات وتحديث البنية وفق النمو السكاني الفعلي.

 

محال غارقة وأسر أمام الخطر

 

وامتد الضرر، وفق الشكاوى، إلى المحال التجارية والأدوار الأرضية التي تسربت إليها المياه، ما يهدد البضائع ويضاعف كلفة التنظيف والإصلاح على أصحابها.

 

وكتب أحد المواطنين أن مياه المجاري حاصرت البيوت في شارعه لمدة يومين، في حين تحدث آخرون عن صعوبة دخول السكان وخروجهم من منازلهم.

 

ولا تتوقف الخسارة عند المظهر أو تعطيل الحركة؛ فوجود مياه الصرف بجوار البيوت والمحال يخلق بيئة مناسبة للحشرات والناموس، ويزيد مخاوف الأسر على الأطفال وكبار السن.

 

وتتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر، لأن أي تلف في أثاث أو أرضيات أو بضاعة لا تعوضه سيارة شفط تصل بعد ساعات أو أيام.

 

وتحتاج هذه الحالات إلى تحرك صحي ميداني، لا يكتفي بإزالة المياه، بل يتابع التعقيم ومكافحة الحشرات ورصد أي آثار قد تهدد السكان.

 

ويرى الدكتور مجدي علام، مستشار برنامج المناخ العالمي وأمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، أن تكرار طفح الصرف يعكس خللًا في الإدارة البيئية قبل أن يكون مشكلة نظافة، لأن التأخر في الاحتواء يوسع دائرة الضرر الصحي والاجتماعي.

 

وتبقى الشكوى الأشد وضوحًا هي أن المواطن لا يعرف إلى أين يتجه حين يفشل البلاغ، ولا من يحاسَب حين تعود المياه إلى المكان نفسه بعد شفطها.

 

حلول مؤقتة وشبكات بلا مساءلة

 

أرسلت شركة مياه الشرب والصرف الصحي سيارات كسح لشفط المياه، وفق ما تداوله الأهالي، لكن هذه الخطوة ظلت إجراءً إسعافيًا لا يعالج أسباب التكرار.

 

وأرجع فنيون الأزمة إلى تهالك الشبكات القديمة وزيادة الضغط السكاني وتأخر الصيانة الدورية، وهي أسباب تكشف أن المشكلة معروفة وليست مفاجئة.

 

وحين تكون الأعطال متوقعة، يصبح غياب الصيانة الاستباقية تقصيرًا في إدارة الخدمة، لا مجرد نتيجة لظروف طارئة.

 

كما أن الإعلان عن مشروعات لتطوير البنية التحتية يفقد معناه لدى السكان إذا لم ينعكس على الشوارع التي يعيشون فيها، وعلى قدرة الشبكة على استيعاب الاستخدام اليومي.

 

ويحتاج أهالي قنا إلى خريطة معلنة للمناطق الأكثر تضررًا، وبرنامج إحلال للشبكات المتهالكة، وآلية بلاغات تتضمن رقم متابعة وزمن استجابة ومسؤولًا واضحًا.

 

ويؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية وعلوم الأراضي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، أن زيادة الأحمال السكانية تفرض توسعًا محسوبًا في طاقات الشبكات ومحطات الرفع، وإلا تحولت الخدمة إلى سلسلة أعطال تتكرر بالوتيرة نفسها.

 

أما استمرار الاكتفاء بالكسح، فيعني أن السكان سيبقون رهائن للحل المؤقت، يدفعون من صحتهم وأموالهم وكرامتهم ثمن شبكة لا تُصلح إلا بعد أن تفيض.

 

وتستدعي الأزمة تحقيقًا فنيًا معلنًا يحدد مواضع الخلل وكلفة الإصلاح ومدته، بدل ترك الأهالي لمقاطع الفيديو والاستغاثات كي يثبتوا أن الشارع غارق بالفعل.