وثقت وكالة رويترز في القاهرة ترحيل السلطات المصرية أكثر من 5500 شخص منذ نوفمبر ووفاة 3 لاجئين سودانيين داخل الاحتجاز خلال 2026 بما يضع 1100000 لاجئ وطالب لجوء أمام حماية قانونية تتراجع.

 

وتأتي الوقائع بينما تحول الدولة تعقيدات الإقامة إلى فخ يطارد الفارين من الحرب ويجعل طلب النجدة مخاطرة لا حقا إذ يصبح الناجي من العنف مهددا بالتوقيف بدلا من ضمان العلاج والإنصاف.

 

وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تجاوز عدد المسجلين في مصر 1100000 بحلول مايو بينما تنتظر أعداد كبيرة مواعيد الإقامة أو البت في طلباتها لسنوات الأمر الذي يضاعف هشاشة وضعها.

 

وتفاقم كتاب دوري لوزارة العدل صدر في يوليو القيود إذ ربط بعض خدمات الشهر العقاري والتوثيق بحيازة إقامة نظامية أو إعفاء رسمي من دون أن يعلن استثناء واضحا للاجئين المنتظرين وثائقهم أو طالبي اللجوء المسجلين.

 

وتكشف مذكرة أممية مشتركة من 22 صفحة عن تزايد الاحتجاز التعسفي والإبعاد القسري وتهديدات العنف القائم على النوع الاجتماعي بحق لاجئين ومهاجرين في مصر بما فيهم النساء والأطفال وذوو الأوضاع الأكثر هشاشة.

 

 

إقامة مؤجلة وعقاب فوري

 

ويرى خبراء حقوقيون أن الإقامة المؤجلة ليست خللا إداريا عابرا عندما تتحول إلى سبب للاحتجاز لأن الوثيقة المنتظرة تصبح شرطا للنجاة بدلا من أن تكون أداة لتنظيم وضع شخص هرب أصلا من النزاع والخوف.

 

وتقول ميشيل رانداوا الباحثة في هيومن رايتس ووتش إن توقيف اللاجئين بسبب وثائق انتهت بفعل التأخير الإداري يجمع بين التعسف والقسوة خصوصا حين يحملون بطاقات مفوضية سارية أو إثباتات لمواعيد إقامة بعيدة.

 

كما أن المقابلات الحقوقية مع 19 لاجئا وطالب لجوء في أبريل ومايو أظهرت أن حيازة بطاقة من المفوضية لا تمنع التوقيف في الواقع بينما تظل مواعيد الإقامة المؤجلة حتى 2028 عاجزة عن توفير أمان فعلي.

 

ولزيادة القيود يسد اشتراط الإقامة أمام خدمات مدنية يحتاجها اللاجئ لإثبات وكالة أو توثيق معاملة أو حماية حق عائلي فتتحول البيروقراطية من مرفق يفترض أن يخدم الناس إلى حاجز يعاقب الأضعف منهم.

 

لذلك لا يعود الخوف مقتصرا على المرور بنقطة تفتيش بل يمتد إلى دخول مكتب حكومي أو قسم شرطة أو مستشفى لأن انكشاف الوضع القانوني غير المكتمل قد يجر سلسلة إجراءات لا يملك الفرد وقفها.

 

ومن ثم تتبدد قيمة الحق الدستوري في التقاضي عندما لا يستطيع صاحب الشكوى الوصول إلى محرر رسمي أو محام أو جهة إنفاذ من دون أن يخشى التوقيف فالمساواة على الورق لا تكفي لحماية إنسان مطارد.

 

غير أن الحكومة تقول إن الترحيل يتم عبر إجراءات قانونية وضمانات قضائية ولمن ثبت خرقه القانون أو تهديده الأمن إلا أن غياب البيانات الرسمية التفصيلية يجعل فحص نطاق هذه الضمانات ومستوى تطبيقها أمرا متعذرا.

 

 

عنف صامت خلف الخوف

 

وتعرض شهادات محتجزين سابقين ظروف ازدحام ونقص مياه وغذاء وسوء مرافق واعتداءات داخل أماكن الاحتجاز بينما نقلت رويترز واقعة اعتداء جنسي على لاجئة إريترية قالت إن سجلات طبية بالقاهرة دعمت روايتها بعد الإفراج.

 

وفي المقابل لا تستطيع ضحية اعتداء جنسي أن تفصل بين حاجتها الفورية إلى العلاج والخوف من تبعات الإبلاغ لأن المسار المفترض للحماية يبدأ غالبا بإثبات الهوية والوضع القانوني وهما أكثر ما يضعها تحت ضغط.

 

ويشير كريم عنارة مدير وحدة العدالة الجنائية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن نطاق الحملة غير مسبوق وأن الحماية التي وجدت لعقود انهارت وهي شهادة تكشف عمق الفجوة بين التعهدات والممارسة.

 

وتزداد المخاطر على النساء والأطفال حين يصبح المعتدي واثقا من تردد الضحية في اللجوء للشرطة أو الطب الشرعي إذ تتحول عدم الثقة في المؤسسات إلى فرصة صامتة للإفلات من العقاب واستمرار دائرة الأذى.

 

ومع أن الاعتداءات الجنسية جرائم مستقلة لا يجوز تبريرها بوضع الإقامة فإن الضحية قد تؤجل الشكوى أو تمتنع عنها إذا خافت فقدان المأوى أو الاحتجاز أو الترحيل فتضيع الأدلة في الساعات الأولى الحاسمة.

 

وتحذر شيفون مولالي المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالبشر من خلال المذكرة الأممية المشتركة من مخاطر متصاعدة تشمل العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والاتجار وهي مخاطر تتغذى على غياب الحماية الآمنة.

 

ومن جهة أخرى لا يكفي إعلان الخدمات الصحية المتاحة إذا كان الوصول إليها مرهونا بقدرة اللاجئة على التحرك بلا خوف وبوجود مترجمين وحماية من الانتقام وإحالة قانونية سريعة تحفظ السرية والكرامة والحق في المتابعة.

 

 

العدالة خارج متناول الضحايا

 

ويصف قانونيون الإبعاد إلى مناطق لا تتوافر فيها ضمانات السلامة بأنه مخالفة لمبدأ عدم الإعادة القسرية وهو مبدأ يلزم مصر بموجب اتفاقيات دولية ويقتضي فحصا فرديا حقيقيا للمخاطر قبل أي قرار بالترحيل.

 

وأكدت المفوضية السامية أن العودة إلى السودان لا ينبغي أن تتم في الظروف الراهنة بسبب استمرار النزاع والأزمة الإنسانية بما يجعل ترحيل من يفرون منه مسألة حماية عاجلة لا مجرد ملف إقامة وأمن.

 

وبينما تشير تقارير إلى توقيف آلاف الأشخاص خلال 2026 فإن الحكومة لا تنشر إحصاءات تفصيلية مستقلة عن المقبوض عليهم أو المفرج عنهم أو المبعدين وهذا النقص يحجب القدرة على المساءلة وتقييم احترام الضمانات.

 

وبناء على ذلك تصبح الحاجة ملحة إلى وضع إقامة مؤقتة تحمي المسجلين والمنتظرين حتى تصدر الوثائق النهائية فلا يعاقب اللاجئ بسبب تأخير صنعته المؤسسات نفسها ولا يتحول الموعد البعيد إلى حكم معلق بالخوف.

 

وعلاوة على ذلك يتطلب الإنصاف فصل طلب المساعدة الطبية أو تقديم البلاغ الجنائي عن إجراءات الهجرة بحيث تستطيع الضحية إبلاغ الشرطة والوصول إلى الطب الشرعي والمحاماة من دون تهديد أو توقيف أو ترحيل.

 

وتبقى آليات الحماية ناقصة ما لم تشمل مراكز إيواء سرية وآمنة وخطوط مساعدة متعددة اللغات وتمثيلا قانونيا مستقلا وتدريبا للشرطة والنيابة والأطباء على التعامل مع الناجين من العنف الجنسي بعيدا عن الوصم.

 

وفي الختام لا تحل المساعدات الغذائية أو الإيواء المؤقت محل العدالة لأن الحماية الحقيقية تقاس بقدرة الناجية على الشكوى وبقدرة الطفل على الأمان وبمحاسبة المعتدي لا بإخفاء الضحايا خلف أوراق ناقصة.

 

وأخيرا يبقى اختبار السلطات في فتح طريق آمن للعدالة أمام اللاجئين لا في زيادة القيود عليهم فكل تأخير في الوثائق أو التحقيق أو العلاج يمنح المعتدي وقتا إضافيا ويجعل الحماية المعلنة وعدا بلا أثر.