انتشلت قوات خفر السواحل التونسية 11 جثة لمهاجرين من بن قردان بعد غرق قارب يقل 15 شخصًا على بعد 14 ميلًا بحريًا من جرجيس، بينما نجا شخص واحد وبقي 3 مفقودين، لتتحول رحلة الهروب إلى إيطاليا إلى مأساة جديدة.
ولا تختزل الكارثة في زورق متهالك أو قرار فردي بالهجرة، بل تكشف واقعًا يدفع شبانًا وأسرًا إلى اعتبار البحر أقل قسوة من البقاء، ثم يواجهون سياسات حدودية تقيس النجاح بانخفاض الوصول لا بإنقاذ الحياة.
قارب واحد ومدينة منكوبة
غرق القارب ليل الجمعة خلال رحلة باتجاه السواحل الإيطالية، وانتشلت السلطات 3 جثث في اليوم الأول ثم 8 أخرى لاحقًا، بينما تواصلت عمليات البحث بمشاركة خفر السواحل والجيش والحماية المدنية وطائرات مروحية.
وقال الناجي الوحيد إنه ظل متشبثًا بالحياة في البحر مدة 48 ساعة قبل أن تنقذه سفينة تجارية، وهي شهادة تكشف أن فارق الساعات في الاستجابة قد يتحول إلى فرق مباشر بين النجاة والموت.
وتحول الحداد في بن قردان إلى غضب، إذ خرج عشرات الشبان مطالبين بتسريع البحث عن المفقودين، لكن الشرطة فرقت الاحتجاجات بالغاز المسيل للدموع، في مشهد أضاف مواجهة أمنية إلى وجع العائلات المنتظرة.
كما أن وجود 7 أفراد من عائلة واحدة، ورجل مع زوجته الحامل، بين ركاب القارب ينسف الرواية التي تصف الهجرة غير النظامية بوصفها مغامرة شبابية عابرة، ويظهرها خيارًا يائسًا تتسع دائرته داخل العائلات.
وتقع جرجيس على خط بحري شديد الخطورة، لكن قربها النسبي من لامبيدوزا، بنحو 145 كيلومترًا، لا يجعل الرحلة أقصر فقط، بل يدفع كثيرين إلى وهم قابلية العبور رغم هشاشة القوارب وتقلب البحر.
ويُعد القطاع الأوسط من البحر المتوسط الطريق الأكثر فتكًا بالمهاجرين عالميًا، وقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة وفاة أو فقدان 914 شخصًا على الأقل فيه منذ مطلع 2026، بعد زيادة تجاوزت الضعف في الأشهر الأولى.
ولا تكفي عمليات انتشال الجثامين بعد الغرق لتسمية ذلك إنقاذًا، لأن الإنقاذ الحقيقي يبدأ بمنع القارب غير الآمن من الإبحار عبر بدائل قانونية وفرص معيشية وإجراءات بحث سريعة تحترم قيمة كل حياة.
اتفاق أوروبي بلا حماية
وقعت تونس والاتحاد الأوروبي في 2023 اتفاقًا بقيمة 290 مليون دولار، خُصص جزء كبير منه للحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز قدرة السلطات على منع القوارب من مغادرة السواحل باتجاه إيطاليا.
لكن مأساة جرجيس تطرح سؤالًا لا تجيب عنه أرقام التمويل: أين انعكاس هذه الأموال على حماية التونسيين الذين يركبون البحر، وعلى معالجة الظروف التي تدفعهم إلى المخاطرة بأرواحهم بدل بناء مستقبل داخل بلادهم.
ويحتفل الاتحاد الأوروبي بتراجع الوصول غير النظامي إلى إيطاليا، بينما لا تكشف لغة النجاح الأمني وحدها إن كان الانخفاض ناتجًا عن مسارات آمنة وبدائل كريمة، أم عن حبس الناس في موانئ الخوف واليأس.
وتحذر هيبة مرايف، المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، من أن التعاون الأوروبي مع تونس استمر رغم توثيق انتهاكات خطيرة، ومن دون ضمانات رقابية فعالة وشفافة لحماية المهاجرين.
وتضيف مرايف أن سياسة الاحتواء لا توفر الحماية لطالبي اللجوء والمهاجرين، بل تخاطر بتطبيع الاعتراضات البحرية الخطرة والطرد الجماعي، وهي انتقادات تضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤوليته عن وجهة إنفاق أمواله وشراكاته.
ولا يصح أن يصبح خفض أعداد الواصلين إلى أوروبا معيار النجاح الوحيد، لأن انتقال الخطر إلى المياه المفتوحة أو إلى مناطق الاحتجاز والحدود الصحراوية لا يلغي الهجرة، بل ينقل كلفتها إلى أجساد الأضعف.
كما أن الاتفاق لا يقدم جوابًا مقنعًا للتونسيين أنفسهم الذين يهاجرون بفعل البطالة وتراجع الأفق الاقتصادي، إذ لا يمكن لقارب دورية أو مركز مراقبة أن يعالج أسباب فقدان الأمل داخل مدن الجنوب.
وتحتاج أي شراكة أوروبية مع تونس إلى مؤشرات معلنة تتجاوز اعتراض القوارب، تشمل إنقاذ الأرواح والتحقيق في حوادث الغرق وفتح قنوات التنقل القانوني وتوفير فرص عمل حقيقية في المناطق التي تصدر الهجرة.
خبراء يفضحون منطق الردع
يرى رمضان بن عمر، الخبير التونسي في قضايا الهجرة واللجوء، أن الاتحاد الأوروبي يتجاهل الكلفة الإنسانية الباهظة لسياسات الردع، ويعامل الضحايا بوصفهم أرقامًا هامشية مقابل إبراز أعداد العابرين الذين جرى منعهم.
ويشير بن عمر إلى أن تشديد المنع لا يوقف المحاولات، بل يدفع المهاجرين إلى تنويع الطرق والتكتيكات، لأن نظام التأشيرات غير المتكافئ يتيح الحركة لمن يملك المال ويترك الفقير أمام البحر أو الحدود المغلقة.
وتكشف مأساة جرجيس صحة هذا التحذير، فالقارب لم ينطلق لأن البحر آمن، بل لأن الطرق القانونية مغلقة أمام شباب يرون أن فرصتهم في العمل والتنقل والكرامة تُختزل في رحلة قد لا يعودون منها.
وتحذر الباحثة كاثرينا ناتر، أستاذة العلوم السياسية المتخصصة في سياسات الهجرة، من أن اتفاق تونس والاتحاد الأوروبي يقوم على أدوات غير رسمية تضعف المساءلة والشفافية وتمنح الأولوية للرمزية الأمنية على الحلول الواقعية.
وتقول ناتر إن تكرار اتفاقات التحكم في الحدود لم ينتج بالضرورة هجرة أقل ولا مسارات قانونية أكثر، لأن صناع القرار الأوروبيين يركزون على ما يجري شمال المتوسط ويتجاهلون الدوافع الاجتماعية والاقتصادية جنوبه.
ويعني ذلك أن تمويل الردع من دون معالجة البطالة والفقر والتهميش في بن قردان وجرجيس وغيرها لا يزيل الدافع إلى الهجرة، بل يترك شبانًا أكثر استعدادًا للمخاطرة بقوارب أصغر وطرق أشد خطرًا.
ومن واجب السلطات التونسية أن تنشر نتائج التحقيق في غرق القارب، وتوضح زمن تلقي الاستغاثة وتحرك وحدات الإنقاذ ومسار البحث، لأن حق العائلات لا يتوقف عند استلام الجثمان بل يشمل معرفة ما حدث.
كما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يربط أي تمويل حدودي بشروط قابلة للقياس لحماية الأرواح، منها رقابة مستقلة على الاعتراضات البحرية، وشفافية بشأن المعدات والتدريب، وتعويض فعلي للأسر المتضررة من حوادث الغرق.
ولا ينبغي أن تتحول صور الجثامين والناجي المنهك إلى مادة خبرية تنتهي بعد أيام، لأن وراء كل ضحية عائلة ومدينة وأسئلة عن اقتصاد فشل في الاحتفاظ بأبنائه وسياسة أوروبية فضلت إبعادهم على حمايتهم.
فبعد 11 وفاة و3 مفقودين قرب جرجيس، لا تبدو المشكلة في قارب واحد غرق، بل في نظام كامل يدفع الناس إلى البحر ثم يعلن انتصاره كلما انخفض عدد من وصلوا أحياء إلى الشاطئ الآخر.

