حذرت غرف طوارئ الجريف شرق من تفاقم أزمة مياه الشرب في محلية شرق النيل بالخرطوم، بعدما بلغ سعر البرميل المنقول بعربات الكارو نحو 4000 جنيه، وسط انقطاع الكهرباء وتعطل الآبار واعتماد أحياء كاملة على مصادر غير آمنة.

 

وفي الوقت نفسه، تكشف الأزمة وجهاً قاسياً من حياة السودانيين بعد أكثر من 3 أعوام من الحرب، إذ يعود بعض السكان إلى عاصمة محطمة ليجدوا الماء والكهرباء والنقل خدمات متعثرة، بينما تتراجع قدرة السلطات على توفير الحد الأدنى للحياة.

 

 

المياه رهينة الانقطاع

 

وبحسب إفادات غرف الطوارئ، تعتمد أحياء الجريف شرق والهدى على آبار تقوية داخل المناطق السكنية، بعدما ظلت الشبكات الداخلية غير مرتبطة بصورة كافية بالمصادر الرئيسية القادمة من محطتي بحري والمقرن، ما أبقى الإمداد هشاً ومتفاوتاً.

 

وفي المقابل، أدى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة إلى تعطيل تشغيل عدد من الآبار، فاضطرت المبادرات الشعبية إلى تركيب أنظمة طاقة شمسية، غير أن المياه بقيت أفضل قرب مواقع الآبار وأشد ندرة في الأحياء البعيدة.

 

ومن ناحية أخرى، لا تقتصر الأزمة على شرق النيل، فقد شهدت الصالحة جنوب أم درمان خلال يوليو انقطاعات طويلة دفعت السكان إلى شراء المياه، ووصل سعر البرميل هناك إلى 10000 جنيه مع توقف محطة المياه الرئيسية.

 

وعلى المستوى الفني، أوضح خبير البنية التحتية والموارد المائية والسدود أبوبكر محمد المصطفى أن تراجع مناسيب النيل في يوليو ارتبط بانخفاض الإيرادات وزيادة السحب للزراعة، وليس بدخول السودان مرحلة جفاف شاملة.

 

ووفقاً لذلك، أشار المصطفى إلى أن هبوط المنسوب بنحو 3 أمتار فرض خفض مداخل الطلمبات والأنابيب حتى تستعيد قدرتها على السحب، وهو ما يكشف هشاشة محطات اعتمدت طويلاً على مناسيب مرتفعة وثابتة.

 

وإلى جانب ذلك، قالت غرف الطوارئ إن معظم أعمال صيانة الآبار وتركيب الطاقة الشمسية نُفذت بجهود شعبية ومساهمات من مغتربين ومنظمات وأفراد، في وقت انتقدت فيه غياب تدخل حكومي كاف لإيجاد مصادر مستدامة.

 

ومع استمرار الخلل، تواجه أم ضوبان مشكلة أشد تعقيداً، لأن غالبية الآبار المتاحة تحتوي على مياه مالحة وغير صالحة للشرب، بينما يعتمد السكان على مصدر محدود، ما يفرض عليهم شراء المياه أو نقلها من مناطق أخرى.

 

وفي ضوء ذلك، يصبح إصلاح الشبكات وربط الأحياء بالمحطات الرئيسية أكثر إلحاحاً من الحلول المؤقتة، لأن الاعتماد على الآبار وعربات الكارو والطاقة الشمسية وحدها يترك حق الحصول على المياه رهناً بالموقع والمال وتوافر الكهرباء.

 

 

الكوليرا وراء الأبواب

 

أما صحياً، فقد حذرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في أغسطس من عودة ارتفاع منحنى الكوليرا بالخرطوم، وسجلت حالات في شرق النيل وغرب أم درمان وجنوب الحزام، وسط تدهور البيئة ونقص الأدوية والكوادر.

 

وفي مؤشر مقلق، قالت الطبيبة أديبة إبراهيم السيد إن شرق النيل سجل 7 حالات كوليرا مرصودة، إلى جانب 7 حالات بغرب أم درمان و11 في جنوب الحزام، مع انتشار أكبر في العزبة والحامداب دون حصر مكتمل.

 

وبالتوازي، ربطت أديبة ارتفاع المخاطر بنقص المياه وانقطاع الكهرباء وتلوث المصادر ومشكلات الصرف الصحي، محذرة من أن غياب حملات واسعة لإصحاح البيئة خلال الخريف قد يدفع المنحنى الوبائي إلى مزيد من الصعود.

 

ومن جهتها، تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن تضرر شبكات المياه والطاقة خلال الحرب أجبر ملايين السودانيين على استخدام مصادر غير مأمونة، بينما تجعل الأمطار والفيضانات الموسمية احتمالات تلوث المياه وانتشار الكوليرا والإسهالات الحادة أكثر خطورة.

 

وعلى الأرض، تكشف أزمة شرق النيل تداخلاً مباشراً بين الماء والصحة، إذ قد يتحول البرميل الذي تشتريه الأسرة لتجاوز العطش إلى مصدر مرض إذا غابت المعالجة والفحوص، خصوصاً مع الاعتماد على الحفائر والآبار والمياه المنقولة.

 

وبفعل هذا التدهور، تصبح الأسر الفقيرة أكثر تعرضاً للخطر مرتين، فهي تدفع ثمناً مرتفعاً للحصول على المياه ثم تتحمل كلفة العلاج إذا تلوثت، في بلد تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 40 في المائة من مرافقه الصحية غير عاملة.

 

ونتيجة لذلك، لا تبدو الدعوات الحكومية للعودة إلى الخرطوم كافية من دون استعادة الماء والكهرباء والصرف الصحي والمرافق الطبية، لأن العودة إلى أحياء بلا خدمات آمنة تنقل المدنيين من مخاطر النزوح إلى مخاطر المرض والعطش.

 

وأمام هذا المشهد، تظهر مسؤولية السلطات المحلية والاتحادية في الفحص المنتظم للمصادر وتوفير الكلور والصيانة والطاقة، لأن ترك هذه المهام للمبادرات الشعبية يحول الاستجابة الطارئة من واجب مؤسساتي إلى عبء إضافي على السكان المنهكين.

 

 

الغلاء يطارد الناجين

 

أما اقتصادياً، فقد امتدت الفوضى إلى المواصلات، حيث شكا سكان الخرطوم من غياب تعرفة موحدة وترك تحديد الأجرة لأصحاب المركبات، مع تفضيل الخطوط الطويلة وارتفاع كلفة الركشات في أوقات الذروة واستغلال حاجة الركاب.

 

وبحسب الخبيرة الاقتصادية ماجدة مصطفى الصادق، بلغ التضخم السنوي في السودان 51.28 في المائة خلال يونيو 2026، بينما وصل تضخم قطاع النقل إلى 65.89 في المائة، بما يعكس أثر الوقود والترحيل على أسعار السلع والخدمات.

 

وعلاوة على ذلك، ربطت الصادق تسارع الأسعار باستمرار الحرب وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل وانعدام الأمن على الطرق وتراجع الإنتاج وانخفاض قيمة الجنيه، وهي عوامل تجعل أزمة المواصلات جزءاً من انهيار معيشي أوسع.

 

ومن جانب آخر، فإن دفع 4000 جنيه مقابل برميل مياه لا يمثل رقماً منفصلاً عن التضخم، بل كلفة جديدة تقتطع من دخل الأسرة إلى جانب الغذاء والنقل والدواء، وتضاعف الضغط على العائدين والنازحين وذوي الدخول المحدودة.

 

ومع غياب التعرفة الموحدة، يقول مواطنون إن بعض السائقين يختارون الخطوط الأكثر ربحية ويتركون أخرى دون خدمة كافية، فيما ترتفع أجرة الركشات وقت الذروة، ما يجعل الوصول إلى العمل أو المستشفى عبئاً يومياً إضافياً.

 

وفي السياق ذاته، تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، بينما يواجه 19.5 مليوناً مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في أزمة تتجاوز الخرطوم.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن فصل الماء والمواصلات عن آثار الحرب الممتدة منذ أبريل 2023، فقد دمرت المعارك البنية الأساسية وأضعفت الإيرادات وأجبرت أكثر من 11 مليون شخص على النزوح داخل البلاد وخارجها، وفق تقديرات أممية.

 

وأخيراً، فإن مطالبة سكان الخرطوم بتعرفة عادلة ومياه مأمونة ليست ترفاً في مدينة خارجة من الحرب، بل اختبار لقدرة أجهزة الدولة على الانتقال من إدارة الطوارئ والشعارات إلى إعادة بناء خدمات تحمي حق الناس في البقاء.

 

وهكذا، يختصر برميل المياه البالغ 4000 جنيه أزمة العاصمة كلها، فحين يصبح الشرب سلعة باهظة والنقل بلا ضوابط والكوليرا تهديداً متجدداً، تدفع الأسر ثمن الحرب وخراب الخدمات معاً بينما يبقى التدخل الرسمي دون حجم الكارثة.