أعلنت وزارة الخارجية السورية أنها تدرس الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك في دمشق، دون رقم نهائي معلن للعضوية، في خطوة قد تغير موقع سوريا الأمني بعد أربعة عشر عاما من الحرب وإعادة بناء المؤسسات العسكرية.
وبالتالي جاء طرح دمشق في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية وتصاعد التنافس التركي الإسرائيلي حول مستقبل الترتيبات الأمنية، وسط مخاوف من أن تتحول البلاد إلى ساحة جديدة لصراع النفوذ الإقليمي.
كما أن إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني دراسة الخيار لم يكن مجرد إجراء تفاوضي عابر، إذ فتح الباب أمام أسئلة حول قدرة الجيش السوري على تحمل التزامات تحالف دفاعي يضم قوى إقليمية كبيرة.
لذلك يرى مراقبون أن الخطوة تحمل رسائل متعددة، فهي قد تمنح دمشق دعما دفاعيا وتوازنا جديدا، لكنها في الوقت نفسه قد تضعها أمام ضغوط أكبر إذا اعتبرتها أطراف إقليمية اصطفافا معينا.
غير أن الانضمام المحتمل يظل مرتبطا بمدى جاهزية المؤسسات العسكرية السورية، التي ما زالت تواجه تحديات إعادة التنظيم والتسليح بعد سنوات طويلة من الصراع الداخلي والتدخلات الخارجية.
علاوة على ذلك فإن الاتفاق الذي يضم تركيا والسعودية وباكستان يقوم على قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، ما يثير تساؤلات حول قدرة سوريا على الاندماج الكامل في منظومة بهذا الحجم.
رسائل الردع الجديدة
وبناءً على ذلك يوضح الكاتب والمحلل التركي جلال دمير أن دمشق تسعى من خلال طرح الانضمام إلى إرسال رسالة بأنها ليست معزولة، وأن لديها شركاء قادرين على توفير دعم سياسي وعسكري في مواجهة الضغوط.
كما أن دمير يرى أن وجود تركيا والسعودية وباكستان داخل الاتفاق يمنح سوريا فرصة للحصول على دعم دفاعي أكبر، خاصة مع تراجع استعداد دول عديدة لتقديم مساعدات عسكرية مباشرة لدمشق في المرحلة الحالية.
لزيادة فرصها في تعزيز قدراتها، تحتاج سوريا وفقا لدمير إلى تطوير منظومتها العسكرية والحصول على معدات أكثر تقدما، معتبرا أن الاتفاق قد يمثل مدخلا للحصول على أسلحة ودعم تدريبي.
ومن ثم يعتقد دمير أن تركيا ستكون من أكثر الأطراف استفادة من وجود سوريا داخل الاتفاق، لأن ذلك يعزز حضورها في أي ترتيبات تخص الملف السوري والعلاقة مع إسرائيل.
كذلك يحذر دمير من أن إسرائيل لن تنظر بإيجابية إلى هذه الخطوة، لأن امتلاك سوريا دعما عسكريا أكبر قد تعتبره تل أبيب تغيرا في ميزان القوى القريب من حدودها.
لذلك فإن أي تحول في موقع سوريا الدفاعي قد يدفع إسرائيل إلى إعادة حساباتها، خصوصا مع استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها داخل الأراضي السورية خلال الفترة الأخيرة.
جاهزية الجيش السوري
ومن ناحية أخرى يستبعد الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة انضمام دمشق الفوري إلى الاتفاق، مؤكدا أن طرح الخارجية السورية يمثل خيارا قيد الدراسة وليس قرارا نهائيا أو قريبا.
كما أن خليفة يشير إلى الفارق الكبير بين قدرات الدول المؤسسة للاتفاق وبين وضع سوريا الحالي، حيث تمتلك تركيا صناعة دفاعية متقدمة، بينما تملك السعودية إمكانات مالية ضخمة.
غير أن سوريا ما زالت تمر بمرحلة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية بعد حرب استمرت أربعة عشر عاما، وهو ما يجعل دخولها تحالفا دفاعيا كبيرا أمرا يحتاج إلى استعداد طويل.
وبالتالي يرى خليفة أن الأولوية السورية يجب أن تركز على إصلاح الجيش وتعزيز الاستقرار الداخلي قبل الانتقال إلى التزامات خارجية قد تفرض أعباء إضافية.
علاوة على ذلك يحذر خليفة من أن دخول سوريا الاتفاق قد يفسر باعتباره اصطفافا إقليميا في مواجهة أطراف محددة، خاصة إسرائيل وإيران، وهو ما قد يزيد التوترات.
ومن ثم فإن إسرائيل قد تتعامل مع الخطوة باعتبارها تهديدا جديدا لمصالحها، ما قد يؤدي إلى مزيد من الضربات العسكرية داخل سوريا واستخدام الساحة السورية لتبادل الرسائل.
توسع التحالف المحتمل
في المقابل يطرح الكاتب والمحلل السعودي تركي القبلان قراءة مختلفة، إذ يرى أن اتفاق مكة يمكن أن يشكل نواة لترتيبات أمنية أوسع في المنطقة، مع إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلا.
كما أن القبلان يربط أهمية الاتفاق بتكامل قدرات الدول الثلاث، حيث تجمع السعودية القوة الاقتصادية، وتركيا الخبرة الصناعية العسكرية، وباكستان القدرات الدفاعية الكبيرة، وهو ما يمنحه وزنا إقليميا.
لذلك فإن انضمام سوريا، إذا حدث، قد يمنح الاتفاق بعدا جديدا بسبب موقعها الجغرافي وحساسيتها الأمنية، لكنه في الوقت نفسه سيضعها أمام حسابات دقيقة مع مختلف القوى المؤثرة.
وبناءً على ذلك فإن مستقبل الخطوة السورية يتوقف على قدرة دمشق على تحقيق توازن بين حاجتها للدعم الدفاعي وبين تجنب الدخول في مواجهة مفتوحة داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
كما أن توسيع الاتفاق ليشمل دولا عربية أخرى يبقى احتمالا مطروحا، خاصة مع استمرار التحولات الأمنية في المنطقة، لكن نجاحه يعتمد على وجود توافق واضح بين الأطراف المشاركة.
غير أن التجارب السابقة للتحالفات الإقليمية تظهر أن الاتفاقيات الدفاعية لا تكفي وحدها، إذ تحتاج إلى مؤسسات مشتركة وآليات تنفيذ واضحة حتى تتحول إلى قوة فعلية.
وفي النهاية تبقى دمشق أمام خيار صعب بين البحث عن مظلة دفاعية تساعدها على مواجهة التحديات، وبين الحاجة إلى ترتيب أوضاعها الداخلية قبل الدخول في التزامات إقليمية واسعة.

