أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 14.9 في المئة خلال يوليو، مقابل 14.3 في المئة خلال يونيو، بما يعمق تآكل الدخول ويرفع كلفة المعيشة.

 

ويكشف تسارع الأسعار أن الخطاب الرسمي عن تحسن المؤشرات لا يصل إلى موائد المصريين، بينما تواصل الحكومة تحميل الأسر نتائج الاقتراض وخفض الدعم، فتتسع المسافة بين أرقام النمو المعلنة وقدرة المواطن على البقاء.

 

وبحسب البيانات، جاءت الضغوط الرئيسية من السكن والمرافق والنقل والتعليم، وهي بنود لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها أو تأجيلها، ما يجعل موجة الغلاء أكثر قسوة من ارتفاعات تتركز في سلع ترفيهية محدودة.

 

في المقابل، ارتفعت أسعار الطعام والمشروبات سنويا بنسبة 7.9 في المئة، لكن تباطؤها النسبي لا يعني تحسن قدرة الأسر، لأن الأسعار تقاس فوق مستويات مرتفعة تراكمت خلال سنوات من انخفاض الجنيه وزيادة التكاليف.

 

وفوق ذلك، سجلت اللحوم والدواجن زيادة قدرها 4 في المئة، والأسماك 4.4 في المئة، والحبوب والخبز 2.9 في المئة، بينما تراجعت الألبان والجبن والبيض بنسبة 1 في المئة فقط سنويا.

 

وعلى أساس شهري، لا تختصر القراءة الرسمية المعاناة المتراكمة، فالمواطن لا يقارن فاتورته بشهر واحد، وإنما بما كان يدفعه قبل موجات التعويم والضرائب وزيادات الوقود والكهرباء التي أعادت تشكيل إنفاق الأسرة بالكامل.

 

 

السكن يلتهم الدخول

 

وتوقعت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي، وصول تضخم يوليو إلى 15.1 في المئة، مرجعة التسارع إلى تأثير سنة الأساس، مع زيادة منتظرة في الغذاء والنقل واستقرار المتوسط قرب 15 في المئة.

 

وانطلاقا من الأرقام الرسمية، قفزت أسعار المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 31.1 في المئة سنويا، لتصبح فاتورة الإقامة نفسها محركا رئيسيا للغلاء، لا مجرد بند ثانوي في إنفاق الأسر.

 

وبالتالي، صعد الإيجار الفعلي للمساكن بنسبة 28.1 في المئة، بينما قفز الإيجار المحتسب بنسبة 50.9 في المئة، وهي زيادات تكشف أن أزمة السكن تضغط حتى على من لا ينتقلون إلى مساكن جديدة.

 

كما أظهرت البيانات أن الزيادة لا تنفصل عن تحرير أسعار الخدمات وتقليص الدعم، إذ تمرر الدولة كلفة عجز الموازنة إلى الفواتير المنزلية، بينما تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة القفزات المتتالية في النفقات الأساسية.

 

لذلك، تضطر الأسر إلى اقتطاع حصة أكبر من دخولها للإيجار والكهرباء والغاز، فتقل الأموال المتاحة للغذاء والعلاج والتعليم، ويتحول الغلاء من مؤشر اقتصادي مجرد إلى قرارات يومية مؤلمة بشأن الاحتياجات المؤجلة.

 

ومن ثم، لا تبدو زيادة السكن حدثا عابرا، لأن أثرها ينتقل إلى أسعار المتاجر والمطاعم والخدمات عبر ارتفاع تكاليف التشغيل، قبل أن يدفع المستهلك الفاتورة النهائية في كل عملية شراء تقريبا.

 

غير أن الحكومة تواصل تقديم خفض الدعم باعتباره إصلاحا ضروريا، من دون إنشاء حماية اجتماعية تعوض المتضررين فعليا، فتتحول الإصلاحات إلى آلية منظمة لنقل الأعباء من الخزانة العامة إلى جيوب المواطنين المنهكة.

 

 

النقل والتعليم تحت الضغط

 

ورأى علي متولي، الاستشاري الاقتصادي، أن التضخم قد يقترب من 15 في المئة بسبب سنة الأساس وارتداد أسعار الغذاء واستمرار ضغوط الكهرباء والنقل، متوقعا بقاءه مرتفعا طوال الربع الثالث.

 

وعلاوة على ذلك، ارتفعت أسعار النقل والمواصلات بنسبة 21.1 في المئة سنويا، مدفوعة بصعود خدمات النقل 23.9 في المئة، والإنفاق على النقل الخاص 18.8 في المئة، وشراء المركبات 11.5 في المئة.

 

وبناء على ذلك، يدفع العامل والطالب كلفة إضافية لمجرد الوصول إلى العمل أو الجامعة، بينما تنعكس زيادة النقل على أسعار السلع القادمة من المصانع والمزارع، بما يوسع دائرة الغلاء إلى مختلف الأسواق.

 

في الوقت نفسه، سجل التعليم زيادة سنوية بلغت 20 في المئة، لتصبح الدراسة عبئا متصاعدا على الأسر، خصوصا مع انتشار الدروس الخاصة والمصروفات غير الرسمية وضعف جودة الخدمة المقدمة داخل كثير من المدارس الحكومية.

 

وعند جمع الإيجار والمواصلات والتعليم، تظهر حقيقة أشد من الرقم العام، إذ تواجه الأسر زيادات تتجاوز التضخم المعلن في أكثر بنودها إلزاما، بينما قد يبدو المتوسط أقل بسبب تراجع محدود في منتجات أخرى.

 

لهذا، لا يستطيع أصحاب الدخول الثابتة حماية مستويات معيشتهم، فكل زيادة في الرواتب تسبقها أو تلحقها موجة أسعار أوسع، ثم تسترد الحكومة جزءا منها عبر الخدمات والرسوم والضرائب غير المباشرة.

 

أما أسعار الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية والصيانة، فقد ارتفعت بنسبة 15.2 في المئة، وصعدت المطاعم والفنادق 13.3 في المئة، والملابس والأحذية 13 في المئة، بما يعكس انتشار الضغوط عبر القطاعات.

 

 

القرارات تغذي الغلاء

 

وقال محمد أبو باشا، الخبير الاقتصادي، إن تأثير سنة الأساس سيرفع المعدل السنوي رغم توقع زيادة شهرية محدودة، مرجحا استمرار الأثر خلال أغسطس قبل أن يبدأ التضخم مسارا هابطا في الربع الأخير.

 

وبالمثل، توقع استطلاع شمل 10 محللين وخبراء أن يعاود التضخم الارتفاع في يوليو، ورجح نصف المشاركين تسارعه بما يتراوح بين 0.5 ونقطتين مئويتين، متأثرا بسنة الأساس وتراجع قيمة العملة المحلية.

 

إضافة إلى ذلك، لا يمكن فصل الزيادة عن سياسات خفض الدعم المرتبطة ببرنامج الاقتراض الخارجي، بعدما رفعت الحكومة أسعار الوقود والكهرباء تدريجيا، فانتقلت القرارات الإدارية مباشرة إلى تكاليف الإنتاج والنقل والمعيشة.

 

ورغم أن التضخم الحالي أقل من ذروته السابقة، فإن المقارنة لا تعيد للمواطن قوته الشرائية المفقودة، لأن تباطؤ معدل الزيادة يعني استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة أبطأ، وليس عودتها إلى مستوياتها القديمة.

 

وعلى صعيد الفائدة، يضع تسارع الأسعار البنك المركزي أمام مساحة أضيق للتخفيض، لأن أي تيسير سريع قد يزيد الضغوط على الجنيه والأسعار، بينما يؤدي إبقاء الفائدة مرتفعة إلى خنق الاستثمار والاقتراض المحلي.

 

إلى جانب ذلك، تظل توقعات نهاية العام رهينة قرارات الحكومة بشأن المحروقات والكهرباء، فأي زيادات جديدة ستنتقل إلى معظم السلع والخدمات، وتبدد وعود التراجع قبل أن يشعر المواطن بأي انفراجة حقيقية.

 

وفي المحصلة، يؤكد صعود التضخم إلى 14.9 في المئة أن إدارة الأزمة ما زالت تعتمد على تحميل الفقراء والطبقة الوسطى كلفة التصحيح، بينما تبقى الأجور والحماية الاجتماعية أبطأ كثيرا من سباق الأسعار.