كشفت منظمة أطباء بلا حدود أن أكثر من 375 ألف نازح في لبنان ما زالوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم، أو لم تعد لديهم منازل يمكن الرجوع إليها، بعدما أجبرت الحرب الإسرائيلية أكثر من مليون شخص على الفرار من قراهم وبلداتهم منذ مارس الماضي.
ويضع الرقم المعلن الجمعة 7 أغسطس 2026 مفاوضات وقف إطلاق النار أمام اختبار إنساني قاس، إذ لم يؤد تراجع حدة القتال إلى إنهاء محنة مئات آلاف العائلات التي وجدت مساكنها مدمرة أو غير صالحة للحياة، بينما بقيت الخدمات الأساسية وفرص العمل وموارد الإعمار شديدة المحدودية.
منازل غابت وذكريات بقيت
نشرت منظمة أطباء بلا حدود شهادات لنازحين لبنانيين تحدثوا عن اشتياقهم إلى منازلهم وحياتهم قبل الحرب، في محاولة لنقل الأزمة من نطاق الأرقام المجردة إلى تفاصيل الفقد اليومية التي تعيشها الأسر منذ اضطرارها إلى ترك ممتلكاتها وبيئتها الاجتماعية ومصادر دخلها.
ولا يتعلق فقدان المنزل، وفق ما تعكسه هذه الشهادات، بانهيار الجدران وحدها، بل بزوال المساحة التي حفظت تاريخ العائلة وذكرياتها وعلاقاتها مع الجيران والأرض، فضلا عن ضياع الأثاث ومخازن الطعام والحدائق والأوراق الشخصية ومستلزمات العمل التي يصعب تعويضها.
ويواجه النازحون الذين استقروا في مراكز الإيواء أو لدى أقاربهم أو داخل مساكن مؤقتة ضغوطا متراكمة، تبدأ من الاكتظاظ وغياب الخصوصية، وتمتد إلى صعوبة الحصول على الرعاية الصحية والأدوية والغذاء والمياه، وسط تراجع قدرة العائلات المضيفة والمؤسسات المحلية على تحمّل أعباء إضافية.
وتزداد المعاناة بالنسبة إلى كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة والأطفال، إذ يؤدي الانتقال المتكرر وغياب الاستقرار إلى تعطيل المتابعة الطبية والتعليم وتوفير العلاج، بينما تفرض تكاليف النقل والإيجارات والاحتياجات اليومية أعباء مالية لا تستطيع أسر فقدت أعمالها وممتلكاتها تغطيتها.
أما الأثر النفسي، فيظهر في مشاعر الحزن والقلق والخوف من المستقبل وفقدان الإحساس بالأمان، خصوصا لدى من شاهدوا منازلهم تتعرض للقصف أو فقدوا أقاربهم وجيرانهم، ثم اضطروا إلى بدء حياة مؤقتة دون معرفة موعد العودة أو إمكانية إعادة البناء.
وتشير أطباء بلا حدود إلى أهمية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي إلى المتضررين بالتوازي مع المساعدات الطبية والإغاثية، لأن استمرار النزوح لأشهر يحول الصدمة الأولى إلى معاناة ممتدة قد تؤثر في العلاقات الأسرية وقدرة الأفراد على العمل والتعلم واتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.
عودة تصطدم بالدمار
بدأ النزوح الواسع بعد تجدد المواجهات في مارس 2026، عندما امتدت الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية إلى مناطق في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية والبقاع، ما دفع قرابة مليون شخص إلى مغادرة منازلهم خلال فترة قصيرة، وسط أوامر إخلاء ومخاوف من اتساع العمليات البرية.
ومع تراجع حدة القتال، شرعت أعداد كبيرة من النازحين في العودة إلى مناطقها، غير أن العودة لم تكن متاحة للجميع، إذ أكدت منظمة أطباء بلا حدود أن أكثر من 375 ألف شخص لا يزالون خارج منازلهم أو فقدوا مساكنهم بالكامل، بما يكشف استمرار الأزمة بعد هدوء الجبهات.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز عن السلطات اللبنانية، تعرض نحو 90 ألف مسكن لدمار كلي أو جزئي خلال النزاع الأخير، فيما تحتاج عملية إعادة بناء المنازل والمنشآت وإصلاح البنية التحتية إلى مليارات الدولارات التي لا تملكها الحكومة اللبنانية حاليا. [رويترز](https://www.reuters.com/world/middle-east/hundreds-thousands-lebanese-head-home-fighting-eases-many-still-stranded-2026-06-30/?utm_source=chatgpt.com)
ويكتشف بعض العائدين أن الوصول إلى القرية لا يعني استعادة الحياة الطبيعية، بسبب انقطاع الكهرباء والمياه وتضرر الطرق والمراكز الصحية والمدارس، إلى جانب انهيار المحال التجارية والأراضي الزراعية ومصادر الرزق التي كانت تسمح للعائلات بالبقاء في مناطقها دون الاعتماد الكامل على المساعدات.
كذلك تظل المخاوف الأمنية عائقا أمام عودة كثيرين، في ظل استمرار الضربات المتفرقة والتحذيرات من الاقتراب من بعض المناطق ووجود مواقع مدمرة أو غير مؤمنة، ما يجعل قرار العودة محفوفا بالمخاطر، خصوصا للعائلات التي تضم أطفالا أو مرضى يحتاجون إلى خدمات منتظمة.
وتكشف الفجوة بين عدد من بدأوا العودة وعدد من استعادوا استقرارهم فعليا أن مؤشرات الحركة السكانية لا تكفي لقياس انتهاء النزوح، فقد تسجل الأسرة عودتها إلى البلدة، لكنها تظل داخل منزل قريب أو مأوى مؤقت بسبب تضرر مسكنها وعدم قدرتها على إصلاحه.
لذلك تحذر الأزمة من تحول النزوح المؤقت إلى تهجير طويل الأمد، إذا تأخر الإعمار واستمرت القيود الأمنية وغابت فرص العمل، إذ قد تضطر عائلات كاملة إلى الاستقرار بعيدا عن بلداتها، بما يهدد الروابط الاجتماعية ويغير الخريطة السكانية للمناطق الأكثر تضررا.
استجابة إنسانية تحت الضغط
تواصل منظمة أطباء بلا حدود تقديم الرعاية الطبية ومتابعة احتياجات المجتمعات المتضررة، مستندة إلى وجودها الميداني وتواصل فرقها مع النازحين، كما تعمل على توثيق الشهادات التي تكشف أثر الحرب في الصحة الجسدية والنفسية وفي قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج.
وتؤكد المنظمة أن حماية المدنيين والمرافق الصحية والعاملين في المجال الطبي ليست مسألة قابلة للتأجيل أو الارتباط بنتائج المفاوضات، بل التزام يجب احترامه طوال النزاع، مع ضمان وصول سيارات الإسعاف والفرق الإنسانية والإمدادات الطبية إلى المناطق المتضررة دون تعطيل أو استهداف.
وتحتاج الاستجابة الراهنة إلى خطة تتجاوز توزيع المساعدات العاجلة، لتشمل توفير مساكن آمنة ودعم الإيجارات وإصلاح شبكات المياه والكهرباء وإعادة تشغيل المراكز الصحية والمدارس، إلى جانب برامج دعم نفسي طويلة المدى وتمويل يساعد الأسر على استعادة مصادر رزقها.
كما يتطلب التعامل مع الأزمة تنسيقا بين الحكومة اللبنانية والبلديات والمنظمات الدولية، مع إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تحدد المنازل المدمرة واحتياجات أصحابها وأماكن وجود النازحين، بما يمنع تكرار المساعدات لفئات وحرمان فئات أخرى تعيش خارج مراكز الإيواء الرسمية.
وفي المقابل، لن تكون عمليات الإغاثة بديلا عن وقف مستدام للعمليات العسكرية وضمان حق المدنيين في العودة الآمنة والطوعية، لأن أي إعمار يجري تحت تهديد الغارات أو تجدد المواجهات سيظل معرضا للانهيار، وسيبقي آلاف الأسر في دائرة النزوح والخوف.
ويختصر رقم 375 ألف نازح جوهر المأساة اللبنانية الراهنة، فخلف كل فرد منزل أو وظيفة أو مدرسة أو مجتمع محلي جرى تفكيكه، بينما تبقى الوعود الدبلوماسية بلا معنى حقيقي ما لم تتحول إلى أمان يسمح للناس بالعودة وإعادة بناء حياتهم بكرامة

