من المواقف اللافتة والفاضحة معًا لما جرى في 14 أغسطس 2013، ما كشفه الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية المؤقت للشؤون الخارجية آنذاك في شهادته حول فض اعتصام رابعة العدوية، والذي كان سببًا في استقالته من منصبه الذي تولاه عقب الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، في ظل موقفه الرافض لاستخدام القوة والتمسك بالحلول السياسية البديلة.
وعبّر البرادعي عن شهادته وروايته للأحداث عبر محطتين رئيسيتن:
بيان الاستقالة (14 أغسطس 2013)
تقدم البرادعي باستقالته رسميًا في نفس يوم الفض، وأكد في نص خطاب استقالته، أنه كان يرى بدائل سلمية لفض الاشتباك المجتمعي، وأن هناك حلولاً كانت مطروحة ومقبولة للبدء في توافق وطني. وأوضح أنه لا يستطيع تحمل مسؤولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله ثم أمام ضميره، بخاصة مع إيمانه بأنه كان يمكن تجنب إراقتها.
وأصدر البرادعي بيانات تفصيلية وظهر في مقابلات تلفزيونية كشف فيها عن كواليس ما قبل الفض، وكشف أنه قبل الفض بأيام، كان هناك شبه اتفاق على إطار عام للحل السلمي تم التوصل إليه مع أطراف دولية ومحلية، ويتضمن الإفراج عن قيادات وتخفيض حجم الاعتصام.
لكنه صرّح بأنه تلقى تهديدات مباشرة من "أجهزة سيادية" ومن حملات إعلامية حكومية لتدميره سياسيًا وشخصيًا إذا استمر في محاولات البحث عن فض سلمي أو صياغة مصالحة وطنية. وأكد أنه وجد نفسه يسبح وحيدًا عكس تيار هستيري جارف داخل القوى السياسية والحكومية التي أصرت على اللجوء للحل الأمني بدلاً من الحلول السياسية.
نص بيان البرادعي حول موقفه من الاطاحة بمرسي وفض اعتصام رابعة بالقوة
وفي 2 نوفمبر 2016، أصدر البرادعي "وثيقة" تضمنت رؤيته للمشهد السياسي بمصر خصوصا ملابسات الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو 2013.
وتضمنن الوثيقة 13 نقطة لعل أبرزها هو أنه تفاجأ باحتجاز مرسي في يونيو 2013، وأن استقالته من منصبه جاءت بسبب فض اعتصام "رابعة العدوية" المؤيد لمرسي بالقوة ما أسفر عن وقوع قتلى.
وثيقة البرادعي حول أحداث 3 يوليو وفض رابعة
وإلى نص الوثيقة:
1- عندما دعت القوات المسلحة ممثلي كافة القوي السياسية إلى اجتماع بعد ظهر 3 يوليو 2013 كان المفهوم أنه اجتماع لبحث الوضع المتفجر على الأرض نتيجة مطالب الجموع الغفيرة المحتشدة في كل أنحاء مصر منذ 30 يونيو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، نظرًا للاستقطاب الحاد في البلاد الذي أصبح يهدد الوحدة الوطنية.
2- عندما فوجئت في بداية الاجتماع أن رئيس الجمهورية (محمد مرسي) كان قد تم احتجازه بالفعل صباح ذلك اليوم من قبل القوات المسلحة- دون أي علم مسبق للقوى الوطنية – وهو الأمر الذى أدى إلى عدم مشاركة رئيس حزب الحرية والعدالة- الذى كانت قد تمت دعوته- فى الاجتماع، أصبحت الخيارات المتاحة محدودة تمامًا وبالطبع لم يعد من بينها إمكانية إجراء استفتاء على انتخابات مبكرة.
3- في ضوء هذا الأمر الواقع- رئيس محتجز وملايين محتشدة في الميادين- أصبحت الأولوية بالنسبة لي هي العمل على تجنب الاقتتال الأهلى والحفاظ على السلمية والتماسك المجتمعي من خلال خارطة طريق- تمت صياغتها في عجالة- بنيت على افتراضات مختلفة بالكامل عن تطورات الأحداث بعد ذلك: رئيس وزراء وحكومة تتمتع "بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الانتقالية"، انتخابات برلمانيه ثم رئاسية مبكرة وكذلك - وهو الأهم - لجنة للمصالحة الوطنية. وقد قبلت فى ضوء ماتقدم أن أشارك فى المرحلة الانتقالية على هذا الأساس كممثل للقوى المدنية بهدف المساعدة للخروج بالبلاد من منعطف خطير بأسلوب سلمي بقدر الإمكان.
4- وبالتوازي مع خارطة الطريق فقد ساهمت وغيري، بما في ذلك ممثلين لقوى عربية وأجنبية، في مساعي للوساطة مع مؤيدي الرئيس السابق، بمعرفة وتوافق الجميع بما في ذلك ممثلى المجلس العسكري، للتوصل إلى أُطر وتفاهمات لتجنب العنف الذى كان بدأ يتصاعد في اشتباكات بين مؤيدى الرئيس السابق وقوات الأمن، والذى أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا. وقد كان الهدف أثناء وجودى فى المنظومة الرسمية هو التوصل إلى صيغة تضمن مشاركة "كافة أبناء الوطن وتياراته" في الحياة السياسية حسبما ماجاء فى بيان 3 يوليو.
5- ولكن للآسف، وبالرغم من التوصل إلى تقدم ملموس نحو فض الاحتقان بأسلوب الحوار والذى استمر حتى يوم 13 اغسطس، فقد أخذت الأمور منحى آخر تمامًا بعد استخدام القوة لفض الاعتصامات، وهو الأمر الذي كنت قد اعترضت عليه قطعيًا في داخل مجلس الدفاع الوطنى، ليس فقط لأسباب أخلاقية وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام، وما يترتب على ذلك من الانحراف بالثورة وخلق العقبات أمام تحقيقها لأهدافها.
6- وقد أصبح واضحًا لي الآن أن هذا الطريق كان يخالف قناعات الكثيرين، وهو ما يفسر الهجوم الشرس علي من "الإعلام" وكذلك التهديدات المباشرة التى وصلتني خلال الفترة القصيرة التي قبلت فيها المشاركة الرسمية فى العمل العام، وذلك بسبب محاولاتي التوصل إلى حل سلمى للأزمة السياسية. وبالطبع في ضوء ماتقدم من عنف وخداع وانحراف عن مسار الثورة فقد كان من المستحيل علي الاستمرار في المشاركة في عمل عام يخالف كل قناعتي ومبادئي وخاصة قدسية الحياة وإعلاء قيمة الحرية والكرامة الإنسانية، حتى وإن كان ذلك عكس التيار العام والهيستيريا السائدة في ذلك الوقت.
7- بعد أن قمت بتقديم استقالتي للأسباب التي وردت بها وبدلاً من احترام حقي في الاختلاف في أمر غير قابل للتفاوض بالنسبة لي ولضميري، ازدادت حدة الهجوم الشرس علي من قبل آلة إعلامية تقوم على الإفك وتغييب العقول، وهو الهجوم الذي بدأ منذ أواخر عام 2009 عندما طالبت بضرورة التغيير السياسي.
8- وقد يكون أحد الأمثلة الصارخة في هذا الشأن تسجيل وإذاعة مكالماتي الخاصة بالمخالفة لكل الدساتير والقوانين والقيم الأخلاقية المتعارف عليها- باستثناء الانظمة الفاشية- ومنها مكالمة مع وزير أمريكى بعد قيام الثورة مباشرة أطلب منه أن تقوم حكومته بتقديم مساعدات اقتصادية وتقنية لمصر وأن يبذلوا مساعيهم كذلك مع دول الخليج آلتي أحجمت وقتها عن تقديم أي عون اقتصادي لمصر. وهذا الاتصال كان عقب اجتماع لي مع قيادات المجلس العسكري ذُكر فيه الوضع الإقتصادى الحرج للبلاد مما أدى إلى أن أبدى أنا وغيري من الحاضرين ممن لهم علاقات خارجية الاستعداد للاتصال بكل من نعرفهم طلبًا للمساعدة. وقد قام اللإعلام بإذاعة مكالمتي على أنها تخابر مع المخابرات الأمريكية!! وبالطبع مازال من سجلها وأمر بإذاعتها – وهى بالضرورة أجهزة رسمية- بعيدًا عن أية محاسبة، بالإضافة بالطبع إلى من أذاعها.
9- أحد الأمثلة الصارخة الأخرى هو الاستمرار في تحريف وتشويه دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يتعلق بعملها فى التفتيش على برنامج العراق النووي بمقتضى قرارات مجلس الأمن، وهو العمل الذي نال التقدير الجماعي من كافة الدول أعضاء الوكالة، بما فيها مصر، باستثناء الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد تعذر على تلك الدولتين نتيجة تقارير الوكالة وكذلك تقارير لجنة الامم المتحدة الخاصة بالتفتيش على الأسلحة الكيمائية والبيولوجية التى ذكرت بوضوح أننا لم نجد أي دليل على إحياء العراق لبرامج أسلحة الدمار الشامل، أدت هذه التقارير إلى تعذر حصول تلك الدولتين على قرار من مجلس الأمن بمشروعية الحرب على العراق مما أدى إلى شنهما حرب غير شرعية مازلنا ندفع ثمنها حتى الآن. وقد أشاد الإعلام المصري في هذا الوقت – مثله مثل باقي إعلام العالم- بدور الوكالة إلى أن أعلنت ضرورة التغيير السياسي في مصر والذي على إثره تم تغيير التوجه الإعلامى بالكامل ( يمكن مراجعة موقف الإعلام المصري المخزي قبل وبعد 2099 ( كما هو الحال بالنسبة لأكاذيب أخرى لاتعد ولاتحصى بالنسبة لشخصي استمرت منذ نظام مبارك وحتى الآن دون انقطاع).
10- الآمر المحزن والمؤسف أن الكذب وتغييب العقول استمر من كافة الأطراف وحتى الآن فمن جانب هناك من يدعى أنني سافرت إلى الخارج قبل 30 يونيو للترويج والتمهيد لعزل الرئيس السابق، وأنني سافرت لإسرائيل، وأنه كانت هناك خطة من جانب الاتحاد الأوروبي لعزل الرئيس السابق، وأنني كنت على اتصال بالمجلس العسكري فى هذا الشأن، بل وإنني كنت على علم بقرار المجلس العسكري احتجاز الرئيس السابق، واليى – كما عرفت لاحقًا - سبقته مفاوضات بين المجلس العسكري والرئيس السابق وجماعته، تلك المفاوضات آلتى لم يعن أحد من الطرفين بإخطار ممثلي القوى المدنية بها لعل وعسى أنه كان قد يمكننا المساعدة فى التوصل إلى حل مقبول للطرفين.
11- ومن جانب آخر هناك من مازال يدعى أنه لم يكن هناك مسار واعد لفض الاعتصامات بأسلوب سلمي، وأنني وافقت في أي وقت على قرار استخدام القوة لفض رابعة، وأنني كنت السبب في عدم التدخل المبكر لفض الاعتصامات قبل أن يزداد الاحتقان، بل وصل الفجر بالادعاء زورًا وجهلاً بأنني لا أدين الاٍرهاب والتطرف.
13- هناك الكثير الذي يمكنني أن أضيفه من أمثلة على منهج الخداع والكذب واختطاف الثورة التى كنت شاهدًا عليها والتى أدت بِنَا إلى ما نحن فيه، والتي تمنعني بالطبع مقتضيات الفترة الحرجة التى يمر بها الوطن من الخوض فيها.
13- غني عن الذكر أن رأيي كان وما زال هو أن مستقبل مصر يبقى مرهونًا بالتوصل إلى صيغة للعدالة الانتقالية والسلم المجتمعى وأسلوب حكم يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعلم والعقل. حفظ الله مصر وشعبها.

