أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع التضخم الأساسي السنوي في مصر إلى 14.9% خلال أغسطس 2026، مقابل 14.7% في يوليو، ليقترب المؤشر من 15% مع استمرار زيادة أسعار المستهلكين، كما سجل المؤشر زيادة شهرية بلغت 0.3%، بما يضيف أعباء جديدة على ميزانيات الأسر التي تواجه ارتفاع تكلفة احتياجاتها اليومية.

 

تزيد حكومة السيسي أعباء المعيشة بقرارات رفع أسعار الخدمات، إذ أرجع البنك المركزي جانبًا من الضغوط السعرية في أغسطس إلى زيادة تعريفة الكهرباء والإيجارات، بينما وثقت دراسات اقتصادية قصور المعاشات والمساعدات عن تغطية احتياجات الأسر، لتصبح قرارات التسعير وضعف الحماية الاجتماعية عاملين مباشرين في تفاقم معاناة أصحاب الدخول المحدودة.

 

 

زيادات الحكومة ترفع كلفة المعيشة

 

وفي تفاصيل هذه الضغوط، سجلت السلع والخدمات التي تحدد الحكومة أسعارها زيادة سنوية بلغت 12.3% خلال أغسطس، وزيادة شهرية بلغت 1%، وفق بيانات البنك المركزي، بينما بلغ التضخم العام في المدن 14.5% مقابل 14.9% في يوليو، بما يؤكد أن انخفاض المعدل العام تزامن مع استمرار زيادات الأسعار الحكومية.

 

ولأن البنك المركزي يستبعد الخضروات والفاكهة الطازجة والسلع والخدمات المحددة أسعارها إداريًا عند حساب التضخم الأساسي، فإن اقترابه من 15% يعكس ارتفاع أسعار بقية مكونات السلة، كما أن تراجع معدل التضخم العام يعبر عن تباطؤ الزيادة السنوية في الأسعار، ولا يعني أن المستهلكين يستردون تلقائيًا قدرتهم الشرائية السابقة.

 

وعن مسؤولية الحكومة عن الغلاء، وثق الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في مقال نشره في 18 أبريل 2024 زيادات طالت الكهرباء والوقود والنقل والخدمات الصحية، واعتبر أن تحميل التجار وحدهم مسؤولية ارتفاع الأسعار يتجاهل القرارات الحكومية التي تزيد الرسوم وتكلفة الخدمات التي يسددها المواطنون من دخولهم.

 

ومن القرارات التي سجلها الولي في مطلع 2024، زيادة رسوم توصيل الغاز للمنازل بنسبة 55%، ورفع أسعار تذاكر القطارات بنسب تراوحت بين 10% و25%، وزيادة باقات الاتصال الأرضي بالإنترنت بين 29% و33%، ضمن إجراءات حكومية شملت خدمات تستخدمها الأسر في السكن والعمل والانتقال والتعليم.

 

وبعد تلك الزيادات، أظهر التحليل الشهري للبنك المركزي عن أغسطس 2026 ارتفاع تضخم السلع غير الغذائية إلى 19.5%، مقابل 19.1% في يوليو، كما سجلت مجموعة الخدمات زيادة شهرية بلغت 1%، لتوثق البيانات استمرار ارتفاع مصروفات خارج بند الغذاء، يحتاج أصحاب الدخول الثابتة إلى تدبيرها من ميزانياتهم الشهرية.

 

 

المعاشات تفقد قدرتها على تغطية الاحتياجات

 

ومع ارتفاع هذه المصروفات، قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني في تصريحات منشورة بتاريخ 17 سبتمبر 2026 إن دراسته للفجوة بين الأجور والمعاشات رصدت حدًا أدنى للمعاش يبلغ 1755 جنيهًا، مقابل 8000 جنيه للحد الأدنى لدخل العاملين بالدولة، مع مواجهة أصحاب الدخلين الأسعار نفسها للكهرباء والمياه والمواصلات والغذاء والدواء.

 

إذ أظهرت مقارنة الميرغني أن الحد الأدنى للمعاش كان يعادل 25% من الحد الأدنى للأجر في 2014، ثم انخفضت هذه النسبة إلى نحو 22% في 2026، رغم الزيادات النقدية للمعاشات، وهو تراجع يوثق اتساع الفجوة بين الفئتين بدلًا من تقليصها مع زيادة تكاليف المعيشة.

 

ولهذا أكد الميرغني أن الحد الأدنى للمعاش لا يوفر مستوى معيشة كافيًا، خصوصًا عندما تعتمد الأسرة عليه مصدرًا أساسيًا للدخل، ورصدت دراسته اضطرار متقاعدين إلى المفاضلة بين الإيجار والعلاج والغذاء وفواتير الخدمات، بما يجعل الإنفاق على حاجة ضرورية سببًا للتنازل عن حاجة أخرى داخل الأسرة.

 

وبالتوازي مع هذه الشكاوى، تقدم اتحاد أصحاب المعاشات بدعوى قضائية لمطالبة الحكومة بزيادة سنوية تتجاوز 15%، في مواجهة ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية، وتستهدف مطالب الاتحاد تعويض المتقاعدين عن تراجع دخولهم الحقيقية، بعد سنوات لم تواكب فيها الزيادات النقدية الأعباء الفعلية للمعيشة.

 

 

المساعدات الحكومية لا تكفي الأسر

 

أما الأسر التي تعتمد على مساعدات الضمان الاجتماعي، فوثق الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي في مقال بتاريخ 8 يونيو 2026 تخصيص نحو 55 مليار جنيه لأكثر من 5 ملايين أسرة في موازنة 2026/2027، وانتقد محدودية المبالغ المخصصة أمام احتياجات الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية.

 

وبناء على توزيع هذه المخصصات، قدر الصاوي نصيب الأسرة بنحو 11000 جنيه سنويًا، أي أقل من 1000 جنيه شهريًا في المتوسط الحسابي، واعتبر أن هذا المستوى من المساعدة لا يوفر الاحتياجات الأساسية، خصوصًا مع استمرار الحكومة في زيادة أسعار الوقود والكهرباء والخدمات التي يدفع الفقراء تكلفتها.

 

وإلى جانب ضعف المساعدة، حدد الصاوي كبار السن من العمالة غير الرسمية ضمن الفئات الأشد تعرضًا للحرمان، لأن الباعة الجائلين وأصحاب الحرف يفقدون القدرة على العمل مع تقدم العمر، بينما يفتقر كثيرون منهم إلى التأمين الصحي والاجتماعي والدخل المنتظم الذي يسمح بتغطية العلاج ونفقات الأسرة.

 

ولقياس نطاق هذا الحرمان، سبق أن انتقد الصاوي في مقال بتاريخ 24 فبراير 2026 تأخر إعلان بيانات بحث الدخل والإنفاق منذ 2020، رغم اعتياد إجرائه كل عامين، وربط غياب البيانات بصعوبة تقييم الفقر، معتبرًا أن الحكومة تتجنب إعلان نتائج قد تتعارض مع خطابها عن التحسن الاقتصادي.

 

وأمام استمرار هذه الأعباء، حمّل الصاوي الحكومة مسؤولية الجمع بين زيادة أسعار خدماتها وضعف الحماية الاجتماعية، مؤكدًا أن تخصيص أموال محدودة لا يحمي الفقراء عندما تستبعد البرامج أسرًا محتاجة وتتراجع القيمة الشرائية، وأن الأمان الاجتماعي يقتضي دخلًا كافيًا وتعليمًا وعلاجًا، لا الاكتفاء بإعلان مخصصات تعجز عن تغطية الاحتياجات الأساسية.