قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات المصرية لم تحاسب أي مسؤول، بعد 13 عاما من فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة يوم 14 أغسطس 2013، رغم توثيق مقتل 817 شخصا على الأقل، وأكثر من ألف على الأرجح.
ويعيد استمرار غياب العدالة فتح جرح إنساني لم يغلق منذ ذلك اليوم، إذ تعيش عائلات الضحايا بين فقدان ذويها وانسداد طريق المحاسبة، بينما بقي عدد من المشاركين في الاعتصام خلف السجون بعد محاكمات جماعية وصفت بالجائرة.
وبحسب المنظمة، استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية أثناء تفريق اعتصام رابعة الذي ضم مؤيدين للرئيس الراحل محمد مرسي، وخلص تحقيق استمر عاما إلى أن القتل كان واسع النطاق وممنهجا بما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وفي المقابل، قالت تقارير رسمية مصرية إن بعض المعتصمين كانوا مسلحين وإن قوات الأمن تعرضت لإطلاق نار، لكنها أقرت أيضا بوقوع إخلال بالتناسب وكثافة استخدام النيران وعدم ضمان ممر آمن لجميع الراغبين في المغادرة.
ومن جهة أخرى، لم يؤد تشكيل لجنة تقصي الحقائق في ديسمبر 2013 إلى فتح مسار قضائي مستقل يحاسب المسؤولين عن القتل، إذ اقتصرت مهمة اللجنة على جمع المعلومات وانتهت إلى تحميل قادة الاعتصام جانبا كبيرا من المسؤولية.
وعلى صعيد مواز، أشار المجلس القومي لحقوق الإنسان في تقريره الصادر عام 2014 إلى وجود مسلحين داخل الاعتصام، لكنه انتقد كذلك كثافة إطلاق النار وعدم الحفاظ على مخرج آمن ومنع وصول الإسعافات إلى بعض المصابين.
وبمرور السنوات، لم يتحول أي من هذه التقارير إلى محاكمة لمسؤول أمني أو عسكري بسبب عمليات القتل، بينما تعرض مئات المشاركين في الاعتصام لأحكام بالسجن أو الإعدام، وهو ما عمق الشعور بازدواجية ميزان العدالة.
المحاسبة الغائبة
ويرى آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، أن معالجة ما حدث في رابعة تتجاوز عائلات الضحايا، لأنها ترتبط مباشرة بآفاق حقوق الإنسان وقدرة المجتمع المصري على استعادة مساحة للحوار النقدي.
وبحسب كوغل، أعقبت المذبحة موجة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات الصورية والتعذيب والنفي، ما دفع كثيرين إلى خارج البلاد وأغلق مساحات التعبير، مؤكدا أن غياب العدالة يبقي رابعة جرحا مفتوحا في الذاكرة المصرية.
وفي السياق ذاته، تطالب المنظمة بإجراء تحقيق مستقل وفعال في مسؤولية من خططوا وأمروا ونفذوا عملية الفض، معتبرة أن مرور السنوات لا يسقط المسؤولية عن الجرائم الخطيرة ولا يمنع ملاحقة المتورطين أمام جهات قضائية مختصة.
وبالتالي، طرحت المنظمة اللجوء إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية أمام محاكم دول أخرى، بما يسمح بالتحقيق في الجرائم الدولية الخطيرة بصرف النظر عن مكان وقوعها أو جنسية المشتبه بهم والضحايا عندما تتوافر الشروط القانونية.
ومع ذلك، لم تظهر حتى الآن مساءلة قضائية شاملة تعيد فحص أحداث 14 أغسطس بصورة مستقلة، رغم الدعوات المتكررة من منظمات دولية وحقوقية، وهو ما جعل القضية نموذجا بارزا لجدل الإفلات من العقاب في مصر.
وفوق ذلك، منح قانون صدر عام 2018 الرئيس سلطة منح بعض كبار قادة القوات المسلحة معاملة وامتيازات خاصة، وهو تشريع أثار انتقادات حقوقية بسبب مخاوف من استخدامه لتوسيع الحماية من المساءلة عن أحداث سابقة.
عقد من القمع
ويصف فيليب لوثر، مدير البحوث والمناصرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، السنوات التي أعقبت رابعة بأنها عقد من العار، معتبرا أن المذبحة مثلت نقطة تحول نحو سياسة لا تتسامح مع المعارضة السلمية.
ووفقا للوثر، سمح غياب رد دولي قوي ومنسق عقب عمليات القتل لقوات الأمن بالإفلات من المساءلة، بينما اتسعت لاحقا أنماط الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والمحاكمات التي افتقرت إلى ضمانات العدالة الأساسية.
وفي الوقت نفسه، ربطت منظمات حقوقية بين ما جرى في رابعة وبين توسع استخدام المحاكمات الجماعية وعقوبة الإعدام خلال السنوات التالية، إذ صدرت أحكام قاسية بحق أعداد كبيرة من المعارضين والمتهمين في قضايا ذات طابع عام.
وبالإضافة إلى ذلك، بقي عدد من المشاركين في الاعتصام رهن الاحتجاز لسنوات طويلة، بينما عاش آخرون في المنفى بسبب أحكام غيابية أو مخاوف من الاعتقال، ما جعل أثر المذبحة ممتدا داخل أسر مصرية وخارج حدود البلاد.
وعلى نحو متصل، توفي محمد مرسي أثناء احتجازه عام 2019 بعد نحو ست سنوات من إطاحة الجيش به واعتقاله، في ظل انتقادات حقوقية واسعة لظروف احتجازه والرعاية الطبية التي تلقاها خلال سنوات سجنه.
ومن ناحية دستورية، لم تصدر السلطات قانون العدالة الانتقالية الذي نص عليه الدستور المصري، رغم إلزام المادة 241 الدولة بإطار يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا وفق المعايير المفترض اعتمادها قانونيا.
ولهذا، لا تقتصر قضية رابعة على سؤال من أطلق النار، بل تمتد إلى غياب مسار رسمي لكشف الحقيقة وحفظ الأدلة وتعويض الضحايا ومنح أسرهم فرصة قانونية لمعرفة المسؤوليات الفردية والمؤسسية عن القتل والإصابات.
صمت دولي ممتد
وترى ناجية بونعيم، المديرة السابقة لحملات شمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن عدم محاسبة أي شخص عن فض رابعة أسهم في خلق بيئة شعرت فيها قوات الأمن بأنها قادرة على ارتكاب انتهاكات دون خوف فعلي من العقاب.
وبحسب بونعيم، تحول إرث رابعة إلى علامة فاصلة في سجل حقوق الإنسان المصري، مع توسع حالات الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء، بينما ظلت المسؤولية عن أحداث أغسطس 2013 بعيدة عن تحقيق قضائي مستقل وشفاف.
وعلى المستوى الخارجي، تعرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى لانتقادات بسبب استمرار علاقاتها الأمنية والعسكرية مع القاهرة، رغم الدعوات الحقوقية إلى استخدام أدوات الضغط والعقوبات الموجهة بحق مسؤولين متهمين بانتهاكات جسيمة.
وفي أعقاب المذبحة، أعلن الاتحاد الأوروبي تعليق تصدير معدات يمكن استخدامها في القمع الداخلي، لكن منظمات حقوقية قالت إن دولا أوروبية واصلت لاحقا شحن معدات عسكرية إلى مصر، ما أضعف أثر القرار ورسالة المحاسبة.
وبالمثل، علق الاتحاد الأفريقي عضوية مصر عقب إطاحة الجيش بمرسي في يوليو 2013، قبل أن يعيدها في 2014، وهو مسار اعتبره منتقدون دليلا على سرعة عودة العلاقات الطبيعية رغم استمرار الأزمة الحقوقية.
وفي المحصلة، تبقى رابعة بعد 13 عاما قضية تتجاوز الخلاف بشأن الاعتصام نفسه، لأن جوهرها يتعلق بمقتل مئات الأشخاص وحق أسرهم في تحقيق مستقل يحدد المسؤولية ويمنح الضحايا إنصافا قضائيا لا يخضع لحسابات السلطة.
وأخيرا، فإن استمرار غياب المحاسبة يكرس رسالة خطرة مفادها أن مرور الزمن قد يحمي أصحاب القرار من المساءلة، بينما تؤكد المنظمات الحقوقية أن الجرائم المحتملة ضد الإنسانية لا ينبغي أن تغلق ملفاتها دون حقيقة وعدالة وإنصاف.

