عصام شعبان
باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة القاهرة
باستهداف سفينة بمسيّرة في ميناء دمياط، وصلت نيران الحرب في الشرق الأوسط إلى مصر، واكتسبت الأضرار بُعدًا أمنيًا، بعدما أصبح الساحل المصري ومنشآت الطاقة ضمن خريطة صراع تتصدّرها حرب الطاقة التي انطلقت من هرمز وامتدّت إلى البحر الأحمر، ثمّ وصلت تداعياتها إلى بحر قزوين، قبل أن تبلغ شرق المتوسّط. ويضاف إلى ذلك الضرر الاقتصادي الناجم عن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، والتهديدات التي تطاول باب المندب والبحر الأحمر، وما تتركه من أثر في عوائد قناة السويس، بما يتجاوز انخفاض الإيرادات إلى بُعد استراتيجي يرتبط بترتيبات الأمن في البحر الأحمر، الذي تضطلع مصر بدور رئيس في تأمينه مع الدول المشاطئة.
ويمثّل الهجوم امتدادًا لمسارٍ اتّسعت فيه المواجهة الأميركية-الإيرانية، فتحوّلت خلاله الممرّات البحرية ومنشآت الطاقة إلى أدوات ضغط متبادل. ومنذ اندلاعها (تدخل شهرها السادس)، أخذت جغرافيا الصراع تتوسّع، متجاوزةً أطرافه المباشرة لتطاول دولًا سعت إلى اتّباع سياسة الحياد، مثل مصر التي حاولت دعم جهود خفض التصعيد والقيام بدور وسيط مساند ضمن منظومة إقليمية.
ولا تقتصر دلالة الواقعة على حريق سفينتَين، وإنّما تمتدّ إلى طبيعة الهدف نفسه. فميناء دمياط، إلى جانب منشآت "إدكو"، من أهم مراكز الغاز في شرقي المتوسّط، وتتركّز في الميناء استثمارات أميركية وأوروبية، ويرتبط باتفاقات طويلة الأمد مع إسرائيل لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى أوروبا، مع تراجع الإمدادات الروسية واضطراب مصادر أخرى، بما جعل البنية التحتية للغاز جزءًا من أمن الطاقة. وبذلك، يتجاوز استهدافه حدود الرسالة الموجّهة إلى مصر، ليطاول شبكة أوسع من المصالح الإقليمية والدولية. ويأتي ذلك في سياق خطاب إيراني متصاعد ربط بين الحرب وأمن الطاقة، وحذّر من أنّ اتّساع المواجهة لن يقتصر على ميدانها العسكري، وإنّما سيمتدّ إلى المصالح الاقتصادية للدول المنخرطة فيها أو الداعمة لها. وبعد حادث قزوين، الذي قُتل فيه بحّار إيراني، لوّحت طهران بأنّه لن يمرّ من دون تكلفة، في سياق ربط الحرب بالمواجهة الأوكرانية مع روسيا. ورغم ما بدا من احتواء دبلوماسي للأزمة، استمرّت الرسائل بأنّ انخراط أطراف أوروبية وإقليمية إلى جانب واشنطن قد يجعل مصالحها واستثماراتها جزءًا من الصراع.
وفي المقابل، واصلت واشنطن اتّباع استراتيجية تقوم على الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، وبناء تحالفات تعزّز عزل إيران، مع الإبقاء على العقوبات والحصار البحري، بينما سعت طهران إلى رفع كلفة هذا المسار بتوسيع دوائر الضغط على خصومها، أو على الدول التي قد تنخرط مستقبلًا في ترتيبات تستهدفها، بما يشمل دول الإقليم وأطرافًا أوروبية لوّحت مرارًا بتهديد مصالحها.
وفي هذا السياق، يعكس استهداف دمياط تطوّرًا في مسار الصراع، بعدما انتقل من استهداف الممرّات البحرية وناقلات النفط والغاز إلى عُقَد ومراكز الإنتاج وإعادة التصدير. وهو تحوّل تتجاوز دلالاته حدود مصر إلى أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل التي ترتبط جميعها بمصالح مباشرة في هذه البنية ومشروعات الغاز التي تتمركز أجزاءٌ رئيسةٌ منها في مصر. وقد أثارت الواقعة غضبًا واسعًا واستغرابًا، لأنّها استهدفت أصلًا يرتبط بإحدى أهم منشآت الطاقة، كما طاولت دولةً حافظت طوال الأزمة على سياسة تقوم على خفض التصعيد. وطرحت محلّيًا تساؤلات حول ما جرى وشفافية الإعلان، بعدما تناولت وسائل إعلام دولية الحريق في السفينتَين باعتباره نتاج هجوم، استنادًا إلى مصادر أمنية وتجارية تحدّثت عن استهداف الميناء بمسيّرة واحدة على الأقلّ، وتعطّل مؤقّت للعمليات في أحد أهم موانئ استيراد الغاز وتسييله وإعادة تصديره.
وجاء بيان وزارة البترول الأوّل مقتضبًا وتقنيًا، وهدف إلى الطمأنة، إذ وصف ما جرى بأنّه حريق أثناء تفريغ شحنة لم يسفر عن خسائر بشرية، لكن من دون الإشارة إلى سببه، بينما راجت في الساعات الأولى روايات نسبت الحادث إلى أسباب فنّية واشتعال سفينة متهالكة. لكنّ هذا الخطاب لم يدم طويلًا، لأنّ استمراره كان يعني عمليًا التقليل من خطورة ما حدث. ومع ظهور نتائج أوّلية للتحقيقات، أعلن مجلس الوزراء، في بيان ثمّ في مؤتمر صحافي، وقوع هجوم بطائرة مسيّرة. وطالبت الهيئة العامة للاستعلامات ووزارة الخارجية بضرورة الرجوع إلى المصادر الرسمية.
ويعكس هذا التحوّل طبيعة الموقف الذي وجدت القاهرة نفسها فيه. فهي، من جهة، لا تستطيع إعلان هُويّة الفاعل أو تبنّي رواية قبل اكتمال الأدلة الفنّية والمادية والاستخباراتية، بما قد يدفعها إلى مواجهة لا ترغب فيها، ومن جهة أخرى، لا تستطيع التقليل من طبيعة الهجوم لأنّ ذلك قد يبعث برسالة مفادها أنّ الاستهداف يمكن أن يمرّ من دون تبعات، أو أنّ مصر ابتلعت الضربة. وفي المقابل، التزمت الأطراف الأكثر ارتباطًا بسياق الحادث (الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل) الصمت الرسمي، قبل أن تصدر لاحقًا تصريحات نفي من إيران والحوثيين، بينما لم يصدر ما يحسم أيًّا من الروايات المتداولة. ولا يمثّل النفي في حدّ ذاته دليلًا، لكنّه ينسجم مع طبيعة الحرب الرمادية، إذ تصبح استراتيجية الإنكار جزءًا من إدارة الصراع بما يسمح بإحداث الأثر وإيصال الرسائل من دون تحمّل مسؤولية مباشرة تستدعي الردّ.
ومن هنا، يبقى سؤال الفاعل مفتوحًا، ولا ينبغي أن تحكمه، في التحليل، المواقف السياسية أو الانحيازات. فغياب نتائج التحقيقات، وعدم إعلان أدلّة فنّية أو جنائية، لا يبرّران استبعاد أيّ طرف أو تبرئة آخر بدافع التعاطف أو العداء. كما أنّ التحليل لا يقوم على اختيار الرواية الأقرب إلى الهوى، وإنّما على قراءة الأنماط والسياقات، وموازنة المصالح، وفهم السلوك الذي تتّبعه أطراف الصراع، في ظلّ الحرب وما أوجدته من بيئة تسمح أيضًا لفاعلين آخرين باستغلال الظرف القائم.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن تجاهل فرضية ضلوع إيران، بصورة مباشرة أو عبر أحد حلفائها، لأنّها تتّسق مع نمط متكرّر في إدارة الصراع يقوم على توظيف منشآت الطاقة وطرق الملاحة أوراق ضغط، والعمل عبر وكلاء يملكون هامشًا واسعًا من الحركة، في ظلّ تعدّد مراكز القرار إيرانيًا، وجنوح يعقّد مسار الحرب، وليس بعيدًا من اختراقات أمنية، كما سبق أن أشار إليه (ضمنيًا) عباس عراقجي.
ويضاف إلى هذا تفاوت درجة انضباط الوكلاء، خصوصًا في اليمن والعراق، وخطابات متكرّرة بأنّ منشآت الطاقة قد تصبح جزءًا من الأهداف إذا اتّسعت الحرب. ومع ذلك، لا ترقى هذه المؤشّرات إلى مستوى الدليل، ولا تُسقط بقية الفرضيات. فإسرائيل تملك الدافع، على الرغم من تشابك مصالحها في مشروعات الغاز وعلى الرغم من أنّ المستهدف أصل أميركي، لكنّها قد تستخدم ذلك غطاءً، ولديها مصلحة واضحة في استدامة الحرب، وبقاء القاهرة مستوردةً للغاز من تل أبيب، واستخدام التدفّقات حافزًا وأداةَ استمالة وموردًا اقتصاديًا. كما تبقى فرضية تنفيذ الهجوم عبر مسار آخر في شمالي وشرقي المتوسط، أو حتّى من الجنوب، في ظلّ تشابك أزمات القرن الأفريقي، احتمال لا يمكن استبعاده قبل أن تؤكّده الأدلّة المادّية ونتائج التحقيقات.
وقد انعكس الحادث على الأسواق، سواء عبر التعطّل الذي دفع إلى استخدام بدائل، منها منشآت في العقبة، أو عبر اعتماد أكبر محلّيًا على الديزل، إلى جانب تأثيره في تكاليف التأمين والشحن. ويبقى الأثر الأهم متعلّقًا بوقائع الهجوم: استهداف أصل أميركي داخل ميناء مصري يرتبط بمنظومة تصدير الغاز إلى أوروبا. وهي رسالة إلى واشنطن بأنّ مصالحها مهدّدة خارج الخليج أيضًا، وإلى أوروبا بأنّ أمن الطاقة مهدّد، وإلى مصر بأنّ الحياد لا يمنحها حصانةً إذا أصبحت منشآتها جزءًا من شبكة مصالح دولية.
ومن هنا، يمثّل استهداف سفن في ميناء دمياط امتدادًا لمسار بدأت فيه المواجهة عسكريةً، قبل أن تتوسّع إلى تعطيل الممرّات البحرية وتهديد الناقلات، ثمّ رفع كلفة الملاحة والتأمين، لتصل اليوم إلى منشآت استقبال الغاز وتسييله وإعادة تصديره. وبذلك، انتقلت من نقطة السيطرة على طرق عبور الطاقة إلى مراكز تنظّم إنتاجها وتدفّقها إلى الأسواق، وتجعل منشآتها جزءًا من أدوات الضغط السياسي والعسكري.
ولا ينبغي أن يقود الموقف المصري الرافض للعدوان الإسرائيلي على إيران، أو التضامن الراسخ مع الشعب الفلسطيني، إلى استبعاد فرضيات قائمة أو الانحياز إلى رواية بعينها قبل ظهور الأدلّة، خاصّةً مع وجود شواهد على ممارسة نمط الحرب الرمادية والرسائل غير المباشرة. وإجمالًا، الهوى السياسي أداةٌ غير مناسبة للتحليل، خاصّةً حين يبدأ بتحديد الطرف الذي نرغب في إدانته أو تبرئته، من دون قراءة الأنماط، وفرز المصالح، وفهم السلوك الذي يحكم أطراف الصراع.
ويبقى سؤال الجهة التي أطلقت المسيّرة رهنًا بما ستكشفه التحقيقات، إن أُعلنت نتائجها. وعلى الرغم من ذلك، تفرض الواقعة دلالات واضحة، إذ كان من الممكن أن تتحوّل إلى كارثة إنسانية وتخلّف عشرات الضحايا. كما أنّها نقلت المواجهة، بعد هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، إلى منشأة ترتبط بأمن الطاقة. وإلى جانب ذلك، فإنّ الهدف الذي عملت مصر على تحقيقه، بوصفها مركزًا إقليميًا للغاز، يحتاج إلى استقرار يضمن استدامته، وإعادة النظر في أطرافه، ومدى انخراطها في هذا المشروع، وسبل حمايته من المهدّدات.
إجمالًا، يعكس استهداف ميناء دمياط استمرار نمط حرب تتوسّع جغرافيتها وتكلفتها. ولم تعد مصر تتحمّل كلفتها الاقتصادية فحسب، بل أصبحت منشآتها الحيوية أقرب إلى دائرة الاستهداف، وهو ما يفرض حمايتها، إلى جانب إدارة التوازن الدقيق بين تجنّب الانخراط في الحرب والاستعداد لتداعياتها، التي تبدو أبعد من أن تنتهي قريبًا، حتّى مع وجود مفاوضات حول الملاحة في مضيق هرمز، الذي أصبح عقدةً رئيسة في الحرب.

