قطب العربي

كاتب وصحفي مصري

 

الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأمريكي ترامب صباح الجمعة حول نزع سلاح المقاومة، وقبول حماس وبقية الفصائل به، لا يمكن وصفه إلا أنه تنازل ثقيل، لكنه كان الدواء المر لإنقاذ ما تبقى من غزة وشعبها الصامد؛ قالها الخميني حين وقع قرار وقف الحرب مع العراق عام 1988، أنه يتجرع السم، بعد أن كان قد تعهد بمواصلة الحرب حتى إسقاط نظام صدام حسين تماما. لقد تجرع السم بعد الخسائر الضخمة التي مني بها الجيش الإيراني، وبعد الضغوط الدولية الهائلة والتي كان ذروتها قرار مجلس الأمن الدولي 598 في 20 تموز 1988 القاضي بإنهاء الحرب بعد نحو ثماني سنوات من القتال. هذا بالضبط ما كررته المقاومة الفلسطينية هذه المرة بتوقيعها اتفاقا يحرمها من سلاحها، بغض النظر عن المسمى التقني سواء كان نزعا أم جمعا أم تخزينا.

 

منذ تأسست حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في العام 1987 أعادت الوهج للمقاومة الفلسطينية عموما، والتي كانت قد شاخت، وقبلت الدخول في مفاوضات سلام في مدريد 1991، ثم ختمتها في العام 1993 بتوقع اتفاق أوسلو الذي أنتج سلطة الحكم الذاتي، وكان ضمن شروطه وقف المقاومة المسلحة تماما، والاعتراف التام بإسرائيل.

 

لم تكن حماس وحدها في ساحة النزال والمقاومة، بل كانت معها فصائل فلسطينية أخرى رفضت اتفاق أوسلو وتبعاته، وظلت متمسكة بسلاحها، بل سعت المقاومة لتطوير هذا السلاح حتى بلغ مستويات معقولة في ظل حصار خانق يعد على الناس أنفاسهم، ويراقب كل سلعة صغيرة أو كبيرة داخلة إلى عزة، بل يمنع العديد من السلع الضرورية، مثل الحديد والإسمنت بزعم استخدامها في بناء الأنفاق ومصانع السلاح وتطوير الصواريخ والقذائف، كما يمنع العديد من الأدوية بزعم استخدامها أيضا في صناعة القذائف.. إلخ، ومع ذلك لم تعدم المقاومة طريقا لتطوير سلاحها الذي خاضت به عدة معارك كبرى وخاصة معركة سيف القدس 2021، وصولا إلى معركة طوفان الأقصى عام 2023.

 

على مدى 40 عاما خاضت حماس ومعها كل فصائل المقاومة المسلحة بكل جسارة نزالا غير متكافئ مع الاحتلال، ومع ذلك أثبتت مع كل معركة جديدة امتلاكها للمزيد من الأسلحة المتطورة، والخطط القتالية المؤلمة للاحتلال؛ طورت حماس سلاحها، وبنت شبكة أنفاقها بعقول أبنائها وبمساعدات بعض أصدقائها، واستطاعت الصمود طيلة العقود الماضية، لكن المعادلات الإقليمية بعد طوفان الأقصى اختلت، كسبت حماس الجولة الأولى يوم 7 أكتوبر 2013، لكنها ومعها الشعب الفلسطيني في غزة بشكل خاص وفي كل أرض فلسطين بشكل عام تلقت ضربات قاتلة من عدو يمتلك أحدث ما أنتجت مصانع السلاح الأمريكي والإسرائيلي؛ دمر جيش الاحتلال غالبية قطاع غزة، وقتل أكثر 67 ألفا من أبناء القطاع، واحتل 70 في المئة من أرضه، وحرم أهله من وسائل الحياة في محاولة لتهجيرهم خارجه.

 

لم تلتزم سلطات الاحتلال بما وقعت عليه في اتفاقيات التبادل والتسوية والتي تضمنت دخول مساعدات إنسانية بواقع 60 شاحنة يوميا، ولم تسمح بأكثر من عشرين شاحنة، ولم تلتزم بالانسحاب من الأرض التي احتلتها بل قضمت المزيد، ولم تتوقف عن إطلاق النار على أهل القطاع وإضرام النيران في خيامهم. يحدث كل ذلك أمام سمع وبصر العالم، وأمام سمع وبصر الدول العربية والإسلامية، وأمام سمع وبصر الوسطاء الذين مارسوا ضغوطا على المقاومة لقبول خطة ترامب، التي تضمن أحد بنودها (المادة 8) نزع سلاح المقاومة.

 

على مدى عام قاومت حماس ومعها فصائل المقاومة ضغوط الوسطاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة لنزع سلاحها، لكنها اضطرت أخيرا لتجرع السم لتحفظ ما تبقى من أرض القطاع، ولتحمي ما تبقى من الشعب، ولتقطع الطريق على كل المزايدين الذين يتهمونها بالتضحية بالشعب مقابل الحفاظ على صورتها، كما أنها يئست من أي إسناد عربي أو إسلامي، وحتى الدولة التي كانت تسندها (إيران) انشغلت عنها بحربها، وبحماية نفسها وأذرعها، ولم تشمل حماس أو قطاع غزة في مفاوضاتها كما فعلت مع حزب الله ولبنان.

 

حسب النصوص المعلنة فإن التسوية تتضمن التزامات متبادلة ومتزامنة، تبدأ باستكمال الكيان وبدون تأخير تنفيذ التزاماته المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ، خاصة وقف العمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه توقف المقاومة جميع عملياتها العسكرية أيضا، وتزامنًا مع ذلك، يُعَدّ الجدول الزمني وآليات تنفيذ خريطة الطريق خلال 14 يوما قابلة للتمديد، وبعد اكتمال هذا الجدول الزمني وآليات التنفيذ، تدخل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة إلى القطاع وتبدأ ممارسة مسؤولياتها، وتقوم اللجنة الدولية للتحقق -التي يشكلها مجلس السلام وتضم ممثلين عن الضامنين ومجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية- بالمصادقة على وفاء الطرفين بالتزاماتهما بموجب خريطة الطريق قبل الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية.

 

يتبين من ذلك أن مسألة نزع أو جمع أو تخزين السلاح ليست هي الخطوة الأولى بل تسبقها خطوات، وهنا تراهن حماس على عدم التزام سلطات الاحتلال بخارطة الطريق الجديدة، وسعيها للمطالة والتلاعب بالوسطاء مجددا كما فعلت من قبل، وهنا أعدت المقاومة عدتها لمواجهة هذا التلاعب الإسرائيلي، هي الآن تملك ورقة قوية وهي السلاح، ولن تسلم قطعة منه إلا بعد تنفيذ سلطات الاحتلال ما يخصها من خطوات. ومن قبل امتلكت المقاومة ورقة الأسرى الإسرائيليين، وقايضت بها أسرى فلسطينيين حسبما سمحت به موازين القوى، واليوم فإن السلاح هو آخر وأقوى أوراقها، وهي لا تخشى عليه كما كانت تخشى على الأسرى الذين مات الكثيرون منهم بالفعل في الأنفاق تحت القصف.

 

السلاح لا يحتاج إلى طعام ولا رعاية طبية، وكل جندي أو سرية تحرس جزءا منه جاهزون للاستشهاد دون أن يسلموا أسلحتهم حال تعرضهم لهجوم مباغت؛ يدرك العدو ذلك كما يدركه الوسطاء، ولذلك فإن المقاومة تقف على أرض صلبة لإجبار الكيان هذه المرة على تنفيذ التزاماته، وإلا فإنها ستصبح في حل من تسليم أي قطعة سلاح.

 

رغم مرارة الاتفاق حال تنفيذه، إلا أن ذلك ليس نهاية للقضية الفلسطينية التي خسرت الجولة عسكريا، لكنها كسبت جولة سياسية عبر تصاعد الاعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة، وعبر تزايد التعاطف الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية في مقابل تراجع التعاطف مع الكيان الذي صار يعاني حصارا متناميا، وفي المحصلة فإن القضية الفلسطينية عاشت موجات مد وجزر على مدى أكثر من مائة عام، ولن يتوقف الشعب الفلسطيني عن نضاله حتى تحقيق حلمه، ولن يضيع حق وراءه مطالب.