أجلت الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة، المنعقدة في مجمع محاكم بدر، محاكمة عائشة الشاطر و26 آخرين في القضية رقم 21582 لسنة 2024 إلى 26 سبتمبر لسماع الشهود، لتستمر قيود حريتها بعد أكثر من 7 سنوات.

 

ويكشف إدخال الشاطر في محاكمة جديدة، رغم صدور حكم سابق بسجنها 10 سنوات، كيف تحولت الإجراءات القضائية إلى مسار مفتوح للعقاب، يستهلك العمر والصحة ويجعل الإفراج احتمالاً مؤجلاً باستمرار أمام المعتقلين وأسرهم.

 

وتعود بداية محنتها إلى ليلة 31 أكتوبر 2018، حين اقتحمت قوة أمنية منزلها في القاهرة واعتقلتها مع زوجها المحامي محمد أبو هريرة، قبل اختفائها قسرياً لمدة 21 يوماً وظهورها أمام نيابة أمن الدولة.

 

وبحسب منظمات حقوقية، واجهت الشاطر عقب ظهورها اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة وتمويلها ونشر أخبار كاذبة، بينما ارتبط نشاطها بالعمل الحقوقي داخل التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، التي تعرض أعضاؤها لملاحقات واعتقالات واسعة.

 

ثم أصدرت محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ، في 5 مارس 2023، حكماً نهائياً بسجنها المشدد 10 سنوات في القضية رقم 1552 لسنة 2018، مع إدراجها ضمن قضية شملت حقوقيين ومحامين وناشطين آخرين.

 

ورغم وجودها داخل السجن بالفعل، أُقحمت الشاطر في القضية الجديدة المعروفة إعلامياً باسم خلية التجمع الأول، باتهامات تتشابه مع ملفها السابق، وهو ما تعتبره منظمات مستقلة نموذجاً لاستخدام التدوير لإدامة الاحتجاز وتعقيد فرص المراجعة القضائية.

 

ومن جهة أخرى، تشير أوراق القضية الأحدث إلى اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية والتحريض على الإخلال بالنظام العام، بينما تتواصل الجلسات أمام الدائرة الثانية إرهاب، برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، وسط تأجيلات متكررة لسماع الشهود.

 

وفي السياق ذاته، لا تنفصل محاكمة الشاطر عن استهداف عائلتها، إذ يقبع والدها خيرت الشاطر في السجن منذ يوليو 2013، بينما حُكم على زوجها محمد أبو هريرة بالسجن 15 عاماً في قضية التنسيقية.

 

فضلاً عن ذلك، طالت الاعتقالات عدداً من أشقائها وأقاربها، بما حوّل الملف من ملاحقة فردية إلى عقاب عائلي ممتد، تتوزع آثاره بين السجون والمحاكم والحرمان من الزيارة والانقطاع القسري عن الأبناء ودوائر الحياة الطبيعية.

 

دوامة قضائية بلا نهاية

 

قال المحامي الحقوقي نجاد البرعي إن أزمة الحبس الاحتياطي في مصر لا تقتصر على طول المدد، بل تشمل غياب البدائل والتعويض عن الحبس الخاطئ، وهو توصيف يضيء المسار الذي يسمح باستمرار الاحتجاز عبر ملفات متعاقبة.

 

وبناءً على ذلك، تبدو قضية الشاطر مثالاً على انتقال العقوبة من حكم محدد إلى حالة احتجاز ممتدة، إذ لا تنتهي الملاحقة بانقضاء التحقيق أو صدور الحكم، بل تبدأ قضية أخرى باتهامات قريبة تعيد المتهمة إلى نقطة الصفر.

 

كما أن الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة طوارئ لا يقبل الطعن بالطرق العادية، ما حرمها من درجة مراجعة قضائية كاملة، بينما جاءت القضية الجديدة لتضيف سنوات من الجلسات والإجراءات فوق العقوبة السابقة والاحتجاز المتواصل.

 

وعلى النقيض من ضمانات المحاكمة العادلة، لا تكفي الإحالات المتكررة وحدها لإثبات ارتكاب أفعال جديدة، خصوصاً عندما تكون المتهمة محتجزة طوال الفترة المنسوبة إليها الوقائع، وهو ما يضاعف الأسئلة بشأن أساس الاتهامات ومصادر التحريات.

 

لذلك، تطالب منظمات حقوقية بإغلاق باب التدوير الذي يسمح بإعادة استخدام الاتهامات العامة نفسها، والإفراج عن المحتجزين الذين تجاوزوا مدد الحبس أو لم تثبت بحقهم جرائم عنف، مع تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على الأدلة.

 

مرض يواجه أبواباً مغلقة

 

حذرت نجية بونعيم، مديرة حملات شمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، من خطورة وضع عائشة الشاطر الصحي، وطالبت بنقلها فوراً إلى مستشفى متخصص وإنهاء حبسها الانفرادي والسماح لأسرتها بزيارتها دون قيود تعسفية.

 

وتعاني الشاطر من فقر الدم اللاتنسجي، وهو اضطراب نادر يضعف قدرة نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم، وقد تعرضت لنوبات نزيف استدعت نقلها إلى مستشفى قصر العيني للحصول على صفائح دموية ورعاية عاجلة.

 

غير أن تقارير حقوقية وثقت احتجازها فترات طويلة في زنزانة انفرادية بسجن القناطر، مع ضعف التهوية والحرمان من الزيارة والرعاية المنتظمة، وهي ظروف تزيد أخطار العدوى والنزيف وتفاقم المضاعفات المرتبطة بمرضها المزمن.

 

وفي موازاة ذلك، قال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش آنذاك، إن الشاطر عانت ظروفاً غير إنسانية، وإن أسرتها ظلت في محنة بسبب غياب المعلومات عن حالتها.

 

وعلاوة على ما سبق، طالبت هيومن رايتس ووتش بتقديم رعاية طبية عاجلة لها، والسماح لعائلتها بالزيارة، والإفراج عنها إن لم توجد أدلة على ارتكاب جريمة، محذرة من أن استمرار الظروف القائمة يعرض حياتها للخطر.

 

وبالمثل، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن الحبس الانفرادي المطول والحرمان من العلاج قد يبلغان حد التعذيب، وأشارت إلى مزاعم تعرضها للضرب والصدمات الكهربائية والاختفاء القسري عقب اعتقالها، وهي اتهامات تستوجب تحقيقاً مستقلاً.

 

عقاب يمتد إلى الأسرة

 

يرى خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن أرقام الانتهاكات بحق السجناء تجاوزت المعقول، وهو تقييم ينسحب على حالة الشاطر التي اجتمعت فيها الإطالة القضائية والمرض والعزل والحرمان من التواصل العائلي المنتظم.

 

ومن ثم، لا يمكن فصل الضغط الواقع عليها عن سجن زوجها ووالدها وأقاربها، لأن تغييب عدة أفراد من أسرة واحدة يضاعف الأثر النفسي والاجتماعي، ويحرمها من شبكة الدعم الضرورية لمواجهة مرض خطير وظروف احتجاز قاسية.

 

إضافة إلى ذلك، ظل أبناؤها وعائلتها سنوات أمام زيارات مقيدة ومعلومات شحيحة، بينما تحولت الجلسات المتتابعة إلى مواعيد جديدة للقلق، لا تحمل حلاً نهائياً بقدر ما تعيد إنتاج الانتظار وتؤجل أي أمل في لم الشمل.

 

ومع أن السلطات تقدم القضايا باعتبارها إجراءات لمواجهة الإرهاب، فإن غياب الشفافية حول الأدلة، وتكرار الاتهامات، واستمرار المحاكمة بعد سنوات الاحتجاز، يضعف الثقة في أن المسار يستهدف العدالة لا الإقصاء الطويل للمعارضين.

 

وفي المحصلة، تقف عائشة الشاطر أمام جلسة جديدة في 26 سبتمبر، بينما يواصل المرض استنزاف جسدها وتستمر عائلتها موزعة خلف القضبان، لتبقى قضيتها شاهداً على منظومة تجعل الحرية مؤجلة والعلاج امتيازاً والمحاكمة عقوبة ممتدة.