أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تراجع الرقم القياسي للصناعات التحويلية والاستخراجية، باستثناء الزيت الخام والمنتجات البترولية، إلى 130.02 نقطة خلال مايو 2026، مقابل 135.79 نقطة في أبريل، بانخفاض بلغ 4.3%، بما يعكس استمرار تراجع النشاط الصناعي.

 

ويأتي هذا الانخفاض بينما تواجه القطاعات الإنتاجية تحديات متراكمة أثرت على المصانع والعمال وسلاسل التوريد، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع قدرة الصناعة المحلية على قيادة النمو وتوفير فرص العمل المستدامة.

 

وبحسب البيانات الرسمية، سجلت صناعة المنتجات الغذائية أكبر تراجع بين الأنشطة الرئيسية بعدما انخفض مؤشرها بنسبة 10.81%، وهو ما أرجعه الجهاز إلى انتهاء بعض المواسم الزراعية وانخفاض حجم الإنتاج المرتبط بها.

 

كما أظهرت البيانات انخفاض مؤشر صناعة المنسوجات بنسبة 10.28% مقارنة بالشهر السابق، في ظل تراجع مستويات العرض والطلب، بما يعكس استمرار الضغوط التي تواجه أحد أكثر القطاعات كثافة في العمالة.

 

وفي المقابل، ارتفع مؤشر التعدين واستغلال المحاجر الأخرى بنسبة 9.48% مدفوعا بزيادة الصادرات، بينما سجلت صناعة المواد والمنتجات الكيماوية نموا بلغ 10.74% نتيجة زيادة إنتاج الأسمدة والدهانات.

 

ومن ثم، تكشف الأرقام أن التحسن اقتصر على قطاعات محددة تعتمد بصورة كبيرة على التصدير أو المنتجات الأساسية، بينما استمرت الصناعات المرتبطة بالاستهلاك المحلي في تسجيل معدلات تراجع واضحة.

 

الصناعة بين الأرقام

 

ويرى الخبير الاقتصادي فخري الفقي أن القطاع الصناعي يحتاج إلى استقرار بيئة الإنتاج وخفض تكاليف التشغيل والتمويل حتى يتمكن من استعادة معدلات النمو ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.

 

لذلك، فإن استمرار انخفاض المؤشر العام يعكس وجود تحديات هيكلية تتجاوز التغيرات الموسمية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الطاقة والخامات وتأثيرها المباشر على تنافسية المصانع المحلية.

 

علاوة على ذلك، ينعكس تراجع الإنتاج الصناعي على معدلات التشغيل والاستثمار، إذ تؤدي تباطؤ المصانع إلى تقليص التوسع الإنتاجي وتأجيل خطط التشغيل الجديدة، بما يزيد الضغوط على سوق العمل.

 

كما أن استمرار تراجع الصناعات الغذائية والمنسوجات يحمل دلالات تتجاوز المؤشرات الرقمية، لأن هذين القطاعين يرتبطان مباشرة باحتياجات المواطنين اليومية ويوفران فرص عمل لشرائح واسعة من العمالة.

 

وبناء على ذلك، يصبح تعزيز الإنتاج المحلي ضرورة اقتصادية للحد من الاعتماد على الواردات وتقليل الضغوط الواقعة على العملة الأجنبية وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

 

التمويل وتكاليف الإنتاج

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن زيادة الإنتاج الصناعي تتطلب تيسير التمويل وخفض تكلفة الاقتراض، إلى جانب توفير مستلزمات الإنتاج بصورة مستقرة دون اضطرابات متكررة في الأسواق.

 

غير أن استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل يقلص قدرة العديد من المصانع على زيادة الإنتاج، ويدفع بعضها إلى خفض الطاقات التشغيلية أو تأجيل خطط الاستثمار والتوسع خلال الفترات المقبلة.

 

كذلك، تؤثر تقلبات أسعار المواد الخام وأسعار النقل والطاقة في تكلفة المنتج النهائي، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للصناعة المحلية داخل الأسواق الداخلية والخارجية على حد سواء.

 

وفي الوقت نفسه، لا تكفي الزيادات المسجلة في بعض القطاعات لتعويض التراجع العام، لأن النشاط الصناعي يقاس بأداء جميع الأنشطة مجتمعة وليس بنتائج عدد محدود من الصناعات.

 

وفضلا عن ذلك، فإن نمو إنتاج الأسمدة والدهانات يعكس تحسنا قطاعيا محدودا، لكنه لا يغير من الاتجاه العام الذي أظهر انخفاض المؤشر الكلي للصناعات التحويلية والاستخراجية خلال مايو.

 

مستقبل النشاط الصناعي

 

ويشير الخبير الاقتصادي مدحت نافع إلى أن تنشيط الصناعة يتطلب إصلاحات مستمرة تشمل تحسين مناخ الاستثمار وزيادة الإنتاجية وتوسيع الصادرات ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

 

وبالمقابل، فإن استمرار تراجع القطاعات الإنتاجية يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو متوازن، ويؤثر في مستويات التشغيل والدخل ويقلل مساهمة الصناعة في دعم الإيرادات العامة.

 

إضافة إلى ذلك، تبرز أهمية تطوير السياسات الصناعية بما يشجع التصنيع المحلي ويزيد الاعتماد على المكونات الوطنية، بما يسهم في تقليل فجوة الاستيراد وتعزيز الأمن الاقتصادي.

 

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن استقرار المؤشرات الصناعية يرتبط بقدرة الحكومة على إزالة العقبات التي تواجه المستثمرين وتوفير بيئة أكثر جاذبية للإنتاج والتوسع الصناعي.

 

وعلى صعيد آخر، فإن انخفاض المؤشر العام بنسبة 4.3% يسلط الضوء على الحاجة إلى مراجعة أدوات دعم القطاع الصناعي، بما يضمن استعادة معدلات النمو وتحسين كفاءة الإنتاج.

 

وأمام هذه المؤشرات، تبقى الصناعة أحد أهم محركات الاقتصاد التي تحتاج إلى سياسات فعالة تعالج تحديات التمويل والإنتاج والتسويق، بدلا من الاكتفاء برصد الأرقام الشهرية دون معالجة أسباب التراجع.

 

وفي المحصلة، تعكس بيانات مايو استمرار الضغوط على النشاط الصناعي رغم التحسن المحدود في بعض الأنشطة، بينما يظل تعافي القطاع مرهونا بإجراءات تعزز الإنتاج الحقيقي وترفع تنافسية الصناعة الوطنية.

 

وأخيرا، تشير المؤشرات الرسمية إلى أن استعادة الزخم الصناعي تتطلب معالجة الاختلالات التي تواجه المصانع بصورة شاملة، حتى يتحول النمو القطاعي المحدود إلى نمو واسع يشمل مختلف الأنشطة الإنتاجية في البلاد.