طالب أولياء أمور في محافظات مصر بتأجيل انطلاق الدروس الخصوصية من 1 أغسطس إلى 1 سبتمبر، بعد انتشار إعلانات الحجز المبكر، محذرين من استنزاف ميزانيات الأسر وحرمان الطلاب من العطلة الصيفية.
وتفضح المطالبات انهيار مفهوم التعليم المجاني، بعدما تركت الحكومة الأسر فريسة لسوق موازية تبتلع الدخول، بينما تحولت المدرسة إلى محطة شكلية والسناتر إلى بوابة إجبارية يعبر منها الطلاب نحو الامتحانات.
سباق يبدأ قبل الدراسة
تصدرت مجموعات أولياء الأمور ومنصات التواصل دعوات تطالب المعلمين وأصحاب المراكز التعليمية بتأجيل الحصص شهرا كاملا، حتى يحصل الطلاب على فترة راحة حقيقية عقب انتهاء عام دراسي طويل ومجهد.
وتزامنت الحملة مع نشر مراكز الدروس الخصوصية إعلانات مكثفة لحجز المقاعد وسداد الاشتراكات، تمهيدا لبدء الشرح مطلع أغسطس، قبل انطلاق العام الدراسي الرسمي بأسابيع طويلة ودون مراعاة ظروف الأسر.
واعتبرت الأسر أن بدء الحصص في ذروة الصيف يحرم الأبناء من حقهم في الراحة والأنشطة الاجتماعية، ويعيدهم إلى أجواء الامتحانات والواجبات قبل أن يتعافوا نفسيا وبدنيا من الموسم السابق.
وفي المقابل، يخشى كثير من أولياء الأمور تأجيل تسجيل أبنائهم، لأن بعض المعلمين يحددون أعدادا مغلقة للمجموعات، ما يحول الحجز المبكر من خيار تعليمي إلى ضغط يدفع الأسر للدفع خشية ضياع الأماكن.
ومن جانبها، ترى داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، أن الطالب يحتاج إلى عطلة متوازنة يستعيد خلالها نشاطه، محذرة من أن الضغط المتواصل يخلق النفور ويضعف الاستعداد النفسي للتعلم.
علاوة على ذلك، تتزامن بداية موسم السناتر مع موجات حر قاسية تجعل انتقال الطلاب يوميا بين المنازل والمراكز عبئا صحيا، خصوصا مع ازدحام القاعات وضعف التهوية وامتداد بعض الحصص حتى المساء.
وبالتالي، لا تعترض الأسر على التعلم أو الاستعداد المبكر، وإنما ترفض تحويل الإجازة إلى فصل دراسي إضافي، يبدأ فيه التحصيل المالي قبل إعلان الجداول المدرسية واستقرار المناهج وتحديد احتياجات الطلاب الفعلية.
ومن ثم، أصبحت عبارة تأجيل الدروس إلى سبتمبر تعبيرا عن أزمة أوسع، تتعلق بحق الأسرة في التقاط الأنفاس، وحق الطفل في الراحة، وضرورة وقف المنافسة التجارية التي تحكم مواعيد التعليم.
فاتورة تلتهم الدخول
تكشف تقديرات اقتصادية متداولة أن الإنفاق السنوي على الدروس الخصوصية والكتب والمصروفات المرتبطة بها يقترب من 247 مليار جنيه، بما يجعل التعليم الموازي واحدا من أكبر أبواب الاستنزاف داخل ميزانيات المصريين.
كما أظهرت بيانات رسمية أقدم أن إنفاق الأسر على الدروس الخصوصية تجاوز 136 مليار جنيه سنويا، وهو ما يؤكد ضخامة السوق حتى مع اختلاف التقديرات وطرق احتساب الكتب والمجموعات التعليمية.
وفي هذا السياق، يؤكد أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، أن الدروس الخصوصية تستنزف موارد ضخمة من جيوب المواطنين، مشددا على أن مواجهتها تبدأ بتحسين المدرسة وتوفير بديل تعليمي مقنع.
غير أن الأسر لا تنظر إلى هذه المصروفات بوصفها إنفاقا اختياريا، إذ تخشى أن يؤدي الاستغناء عن الدروس إلى تراجع أبنائها مقارنة بزملائهم، في ظل نظام امتحانات يربط المستقبل بمجموع شديد التنافسية.
فضلا عن ذلك، تبدأ فاتورة التعليم قبل شراء الزي والحقائب والأدوات المدرسية، إذ تطالب بعض المراكز بسداد اشتراكات مقدمة أو حجز شهور متتالية، ما يضاعف الضغوط على أصحاب الدخول المحدودة.
وبناء على ذلك، تتحول بداية أغسطس إلى موسم مالي ثقيل يسبق العام الدراسي، حيث تتقاطع أقساط الدروس مع مصروفات المدارس والكتب والمواصلات، بينما لا تمنح الأجور الأسر قدرة حقيقية على مواجهة الزيادات.
أما الأسر التي تضم أكثر من طالب، فتواجه مضاعفة تلقائية للمصروفات، خصوصا في المرحلتين الإعدادية والثانوية، إذ تتعدد المواد والمدرسون وتتزايد أسعار الحصص كلما اقترب الطالب من الامتحانات المصيرية.
ولهذا، تتسع الفجوة بين الطلاب وفقا لقدرات أسرهم المالية، بعدما أصبح من يستطيع دفع أسعار المدرسين الأشهر أكثر قدرة على الوصول إلى الشرح والمراجعات والاختبارات التي لا توفرها مدارس كثيرة.
وعلى صعيد آخر، يدفع هذا الواقع بعض الأسر إلى الاستدانة أو تقليص الإنفاق على الغذاء والعلاج والترفيه، بما يجعل كلفة التعليم عبئا يمس الاستقرار المعيشي ولا يتوقف عند حدود التحصيل الدراسي.
مدرسة فقدت دورها
تعلن وزارة التربية والتعليم بصورة متكررة خططا لمكافحة الدروس الخصوصية وتفعيل مجموعات التقوية، مؤكدة أن تحسين الحضور والانضباط داخل المدارس أسهما في تقليص الاعتماد على المراكز التعليمية خلال العام الدراسي السابق.
لكن الواقع الميداني يكشف استمرار السناتر في العمل علنا واستقبال آلاف الطلاب، بينما تعجز حملات الإغلاق والضبطية القضائية عن معالجة الأسباب التي تدفع الأسر إليها، وفي مقدمتها ضعف الشرح وازدحام الفصول.
ويرى الخبير التربوي حسن شحاتة أن القضاء على الدروس الخصوصية لا يتحقق بالقرارات العقابية وحدها، وإنما بإعادة المعلم إلى قلب العملية التعليمية وتوفير بيئة مدرسية تجعل الطالب قادرا على الفهم داخل الفصل.
إضافة إلى ذلك، أدت رواتب المعلمين المتدنية إلى بحث عدد منهم عن دخل إضافي عبر الدروس، لتنشأ علاقة مختلة يصبح فيها الفصل مكانا لأداء الواجب الوظيفي، بينما ينتقل الشرح المكثف إلى المجموعات المدفوعة.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح مجموعات التقوية المدرسية في منافسة السناتر بصورة كاملة، بسبب ضعف التنظيم وتباين جودة المعلمين وعدم ثقة أسر كثيرة في قدرة المدرسة على تقديم خدمة مختلفة عن الحصة اليومية.
ومن ناحية أخرى، يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن انتشار الدروس نتيجة طبيعية لتراجع المدرسة العامة، مؤكدا أن التعامل مع الظاهرة بوصفها مخالفة فردية يتجاهل جذورها المرتبطة بالتمويل والكثافة وأوضاع المعلمين.
ومع ذلك، تواصل الوزارة تقديم إجراءات تنظيمية متفرقة باعتبارها إنجازا، دون نشر تقييم مستقل يوضح أثرها على إنفاق الأسر أو نسب الاعتماد الفعلية على السناتر أو مستوى التحصيل داخل المدارس الحكومية.
وعليه، فإن تأجيل الحصص إلى سبتمبر يمنح الأسر هدنة مؤقتة، لكنه لا يحل الأزمة الأساسية التي حولت الدروس إلى تعليم مواز، وجعلت الدخول إلى المدرسة غير كاف للحصول على المعرفة والاستعداد للامتحانات.
وفي المحصلة، تطالب الأسر بجدول تعليمي يحترم حياة الطلاب وقدرة البيوت المالية، وبمدرسة تستعيد وظيفتها الحقيقية، بدلا من ترك الموسم الدراسي تحت رحمة إعلانات السناتر وأسعار المدرسين ومنافسة الحجز المبكر.
وأخيرا، لن تنتهي معركة أغسطس بوقف الإعلانات شهرا واحدا، ما لم تعترف الدولة بأن الدروس الخصوصية نتيجة لفشل ممتد، وأن استعادة التعليم المجاني تبدأ من فصل صالح ومعلم منصف ومناهج قابلة للتدريس.

